بيروت - لبنان 2018/11/14 م الموافق 1440/03/06 هـ

آلية تشكيل الحكومة في الدستور والملابسات

حجم الخط

بعيداً عن السجالات السياسية التي تتناول تشكيل الحكومة، وانطلاقاً من أحكام الدستور ونصوصه الواضحة والصريحة، ليس إلاّ، وتأسيساً على المبادئ التي ترعى النظام البرلماني وقواعده، والقائمة على الفصل بين السلطات وتعاونها وتوازنها، كما جاء النص عليه في مقدمة الدستور، نرى أن تشكيل الحكومة في لبنان يمر بأربعة مراحل تتكامل وتترابط بين بعضها البعض وتسير متسقة في سياق واحد، لا أنقطاع فيها ولا يمكن تجزئتها، تلعب كل سلطة من السلطات الدستورية خلالها، دورها الكامل، وفقاً لأحكام الدستور، وتطبيقاً لمبادئ النظام البرلماني، في مناخ من التعاون والاحترام المتبادل، وبهدف تحقيق الخير العام، والالتزام المطلق بالمصلحة العامة، تبدأ أولاً بالاستشارات النيابية الملزمة، وتنتهي بثقة مجلس النواب.
> المرحلة الاولى: الاستشارات النيابية الملزمة:
نصت المادة 53 من الدستور (البند 2) على أن يسمي رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلّف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً الى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها.
وفي هذه المرحلة تنتهي مهمة النواب بإبداء آرائهم وخياراتهم، وتسمية رئيس الجمهورية رئيس الحكومة المكلّف، التزاماً بإرادة الأكثرية من أعضاء مجلس النواب، لكي تبدأ المرحلة الثانية بقيام رئيس الحكومة المكلّف بتشكيل الحكومة.
> المرحلة الثانية: وضع مشروع تشكيل الحكومة:
نصت المادة 64 من الدستور (البند 2) على أن رئيس مجلس الوزراء (رئيس الحكومة المكلّف) يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقّع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها.
 في هذه المرحلة يبدأ دور رئيس الحكومة المكلّف، فيتواصل مع الكتل النيابية المختلفة ويتداول معها في شأن تشكيل الحكومة، ويطلع على آرائها ويستمع الى مطالبها، ويعمل على التوفيق بين مطالب الكتل المختلفة، وعلى تذليل الصعوبات، ويأخذ بعين الاعتبار هذه المطالب دون أن يكون مقيداً بتفاصيلها نظراً لتعارضها وتضاربها، كما هو الحال اليوم، والا لما امكنه تشكيل الحكومة، لا سيما أن الدستور قد أناط به وبرئيس الجمهورية أمر تشكيل الحكومة.
ويبقى الرئيس المكلّف على تواصل مع رئيس الجمهورية، فيطلعه على الأجواء التي تسود الاستشارات، وعلى مطالب الكتل النيابية، والصعوبات التي يواجهها، ويتداول معه في أمر تذليل هذه الصعوبات، لأن رئيس الجمهورية يلعب دور الداعم والمؤازر والمسهل لعمل رئيس الحكومة المكلّف، ولأن تشكيل الحكومة يتم في نهاية الأمر، بالتوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. وعندما ينتهي رئيس الحكومة المكلّف من استشاراته النيابية، يخلو الى نفسه، ويضع، باعتباره رئيساً للحكومة ومسؤولاً عن أعمالها أمام مجلس النواب، تصوراً لتشكيل الحكومة، بما يؤمن الخروج بحكومة منسجمة ومتضامنة وذات فعالية وقادرة على أن تنال ثقة مجلس النواب، ويقترح على رئيس الجمهورية التشكيلة التي انتهى اليها، لكي يصدر رئيس الجمهورية، بالاتفاق معه مرسوم تشكيلها. 
هذا الدور الأساسي الذي يضطلع به رئيس الحكومة، يستمده من النصوص والمبادئ الدستورية التالية:
< الثقة التي منحته إياها الأكثرية النيابية بناءً على الاستشارات الملزمة التي أجراها رئيس
الجمهورية (م53 من الدستور) 
< مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، لأن مبادئ النظام البرلماني التي يقوم عليها النظام السياسي في لبنان تفرض لقيام الحكومة وبقائها، حيازة ثقة مجلس النواب واستمرار هذه الثقة (المادة 64 والمادة 66 من الدستور) .
ولا بد من الإشارة هنا، الى أن رئيس الحكومة المكلّف، وان كان يأخذ بعين الاعتبار حصيلة الاستشارات التي يجريها مع الكتل النيابية، المؤيدة والمعارضة، بما يضمن تشكيل حكومة تحظى بثقة البرلمان، ولا سيما الأكثرية فيه، باعتباره الزعيم المفترض للأكثرية النيابية، إلا أن ذلك لا يعني بالمقابل أن رئيس الحكومة يصبح ملزماً ومقيداً بطلبات هذه الكتل، لأن دوره كمسؤول عن سياسة الحكومة أمام البرلمان، أن يوازن بين المطالب المختلفة، وأن يوفّق في ما بينها، وأن يؤمّن الانسجام والتضامن الوزاري الذي من شأنه أن يشكل الأرضية الصالحة لنجاح الحكومة في مهمتها، وإلا لن يستطيع تشكيلها، ولا سيما وأن الدستور قد أناط برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة أمر تشكيل الحكومة ولم يلزمهما بقيود وشروط معينة، وترك حرية واسعة لمجلس النواب بأن يمنحها ثقته أو يمنعها عنها، وهذا ما يأتلف ويتوافق مع طبيعة ومبادئ النظام البرلماني القائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتعاونها وتوازنها.
الا أن هذه المرحلة من تشكيل الحكومة تطرح مسألة هامة على البحث، وهي المهلة المعطاة للرئيس المكلف لتشكيل الحكومة فنسأل: 
أولاً هل من مهلة لرئيس الحكومة المكلّف لتشكيل الحكومة؟ وثانياً ما مقدار هذه المهلة، وثالثاً ما هي النتائج التي تترتب على انتهائها أو تجاوزها دون التوصل الى تشكيل الحكومة؟ 
ما من خلاف على أن الدستور لم يحدد مهلة لرئيس الحكومة المكلّف لتشكيل الحكومة، وهذا شأن معظم الدساتير في العالم. وهذا يعني بنظرنا:
1- في الاصل لا يوجد مهلة لتشكيل الحكومة، ولم يحدد الدستور مهلة، لأن المبدأ الذي يحكم تشكيل الحكومات، وكذلك انتخاب رئيس الجمهورية، هو وجوب تشكيل الحكومة دون تأخير وبأسرع وقت ممكن، وهذا يفترض توفير المناخات الملائمة التي تساهم إيجابياً في تسريع تشكيل الحكومة، حفاظاً على النظام العام، واستمرار عمل المؤسسات الدستورية، لأنه لا يجوز ادارة مصالح الدولة ومرافقها عن طريق تصريف الاعمال لما لذلك من انعكاس سلبي ايضاً على العمل التشريعي لأنه لا يمكن التشريع في ظل وجود حكومة مستقيلة وغير مسؤولة تتولى تصريف الاعمال، الا في حال الظروف الاستثنائية أو حالة الضرورة.
2- لا مهلة للرئيس المكلّف لتشكيل الحكومة، وذلك لكي ينصرف الى تشكيل الحكومة محرراً من عامل الوقت ومن الضغوط وفقاً للمعطيات التي تتكون لديه من خلال الاستشارات النيابية، وبما يؤمن تشكيل حكومة منسجمة وفاعلة وقادرة وتحظى بثقة البرلمان والرأي العام.
3- إن تحديد مهلة للرئيس المكلّف لتشكيل الحكومة، طالت أو قصرت، من شأنها أن تجعل رئيس الحكومة أسير المطالب النيابية وتحت ضغط هذه المطالب، بحيث تستعمل من قبل الكتل النيابية للضغط على رئيس الحكومة للاستجابة لمطالبها، حتى إذا لم يفعل تعمل هذه الكتل على وضع الصعوبات والعراقيل أمامه لتشكيل الحكومة، فتنتهي مهلة تشكيل الحكومة دون أن يتمكن من ذلك ويرغم على الاعتذار عن تشكيلها، أو تدخل البلاد في أزمة سياسية، فتتحول المهلة الى حالة إكراه وضغط.
4- اعتبر الاجتهاد الاداري، أن هناك مهلة معقولة للجهة المخوّلة القيام بعمل ما عندما لا يحدد النص مهلة، وهذه المهلة ليست واحدة، ولكنها تختلف بحسب طبيعة العمل المطلوب وصعوباته ودقته والظروف المحيطة بهذا العمل، ويبقى للرئيس المكلّف، في الحالة المطروحة، وليس لأي جهة أخرى، التعامل معها والتقرير في شأنها، اعتذاراً أو استمراراً، بما يملك من معطيات، ومن حس بالمسؤولية، ومن حرص على المصلحة العامة، في ضوء الظروف والأوضاع، إذ بعد التكليف وتسمية رئيس الحكومة، لا سلطة ولا صلاحية، لأية جهة، بسحب التكليف او وضع حد له، فاختيار رئيس الحكومة من قبل النواب، ليس تفويضاً يمكن سحبه، وليس تعييناً يمكن العودة عنه، بل هو تكليف بمهمة تنتهي بانتهاء تسمية الرئيس المكلف، لانه جاء استناداً الى أحكام الدستور، ولأنه في ظل العراقيل والشروط التعجيزية التي يواجه بها الرئيس المكلّف، لا يعود بالامكان الاعتداد بمهلة معقولة، وتفقد المهلة المعقولة معناها وغايتها.
> المرحلة الثالثة: 
تنص المادة 53 من الدستور (البند 4) على أن يصدر رئيس الجمهورية بالإتفاق مع رئيس مجلس الوزراء مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول إستقالة الوزراء او إقالتهم.
إن تشكيل الحكومة وفقاً لأحكام الدستور (المادة 53) و(المادة 64) منه يتم اذن بالإتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف. فبعد أن يقترح الرئيس المكلف التشكيلة الحكومية على رئيس الجمورية، يصدر الرئيس مرسوم تشكيلها بالإتفاق مع رئيس الحكومة، وهذا يعني أن رئيس الجمهورية، بما هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يلعب دوراً دستورياً أساسياً في تكوين السلطة الإجرائية، ودوره ليس عارضاً أو عابراً أو متلقياً، بل يمكنه أن يبدي ملاحظات بشأنها أو يطلب تعديلات عليها، لأن الحكومة لا يتم تشكيلها بحسب نص الدستور الا بموافقة رئيس الجمهورية، بما يجعله مقتنعاً ومطمئناً الى توفر المقومات اللازمة لنجاحها وتحقيقها للمصلحة الوطنية.
وهذا التشارك او التوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، على تشكيل الحكومة، وإن كان يأخذ بعين الإعتبار مطالب القوى السياسية، إلا انه لا يعني أن هذه القوى تستطيع أن تفرض إرادتها على الرئيسين في الصيغة التي يعتمدانها في تشكيل الحكومة، سواء في تسمية وزرائها أو اختيار الوزارات التي تشاء أو عدد الوزراء، أو تمنع تشكيل الحكومة أو تنتزع من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة حقهما الدستوري في تشكيل الحكومة، وإلا أصبحنا في نظام مجلسي، وليس في نظام برلماني، اذ ماذا يبقى لرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة من صلاحية أو دور في تشكيل الحكومة عندما تحدد الاحزاب والقوى والكتل النيابية بنفسها حجم تمثيلها في الوزارة، واسماء الوزراء ونوعية الوزارات التي تقبل بها، وكيف يمكن لرئيس الحكومة أن يجمع الاضداد في حكومة واحدة، يتقاتل أعضاؤها على الحصص والحقائب، فئات ودرجات، منها السيادية ومنها الخدماتية، ومن ثم يعود ليتولى ادارة الشأن العام، دون أن يكون له أيّ دور في تشكيل الحكومة، في الوقت الذي يحمِّله الدستور مسؤولية سياسة الحكومة أمام البرلمان والرأي العام، بحيث يتحول دوره الى مجرد مفاوض أو وسيط بين الوزراء لكي يؤمن بقاء الحكومة أو استمرارها. ثم الا يجيز الدستور نفسه تشكيل الحكومة من اشخاص من خارج المجلس النيابي وفقا لما تنص عليه المادة 28 من الدستور، بما يطلق يد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في تشكيل الحكومة تحت رقابة مجلس النواب عند منح الثقة للحكومة، فكيف يستقيم الامر هنا، ولا يستقيم عندما تكون الحكومة برلمانية، اليست المصلحة العامة هي المعيار الجامع في الحالتين؟ ويبقى لمجلس النواب الكلمة الأخيرة في إعطاء الثقة للحكومة أو حجبها عنها، وبالتالي تقرير مصيرها . 
وهذا هو النظام البرلماني القائم على الفصل بين السلطات، وعلى مفهوم الديمقراطية والسيادة الشعبية، مما يلزم كل سلطة أن تلتزم حدود صلاحيتها، وأن لا تتجاوز حدود هذه الصلاحية، أو تطغى على صلاحية سلطة أخرى.
هذا من جهة، ولكن من جهة ثانية، فإن النص الدستوري الذي عهد الى كل من رئيس الجمورية ورئيس الحكومة تشكيل الحكومة بالاتفاق، وفقاً للدور المناط بكل منهما، قد أوجب عليهما التعاون في إنجاز هذه المهمة الدستورية، وأن يلعب رئيس الجمهورية دور المؤازر والداعم والمسهل لمهمة رئيس الحكومة في تشكيل الحكومة، وأهم من ذلك كله، أن لا يكون فريقاً في الصراع السياسي الذي يحتدم بين القوى والكتل السياسية، لأن الدستور أناط به أن يلعب دور المرجع والحكم في هذا الصراع، وأن يكون صمام أمان للنظام. وقد وضع دستور الطائف رئيس الجمهورية في مقام سامِ، بما يتناسب مع موقعه ودوره، وضعه فوق الطوائف والصراعات السياسية والحزبية، بحيث يكون عنواناً جامعاً للبلاد، ورمزاً لوحدة الوطن واستمرارية الدولة، والتجارب التاريخية تدل على أنه في كل مرة تصرف فيها رئيس الجمهورية كفريق في الصراع السياسي، أو وضعته الظروف أو الأحداث أو أريد له أن يكون في هذا الموقع، كانت النتيجة فقدانه المرجعية فضلاً عن الدور، وتفجر الأوضاع في البلاد، وإغراقها في الفتنة وفي حمأة نزاعات طائفية وحروب أهلية مدمرة.
هذه الإعتبارات تملي على رئيس الجمهورية وعلى رئيس الحكومة معاً التعاون الكامل بينهما وتحمل مسؤولياتهما الدستورية والوطنية تجاه اللبنانيين جميعاً، من أجل الخروج بأسرع وقت ممكن، وبما تفرضه المصلحة الوطنية، ومصلحة البلاد العليا، بحكومة منسجمة ومتضامنة ومسؤولة، قادرة وفاعلة، شفافة ونظيفة، تحظى بثقة مجلس النواب وثقة الشعب أولاً وأخيراً، لاسيما وأن ما من سلطة تستطيع نزع صلاحيتهما المشتركة بتشكيل الحكومة أو أن تحل محلهما في ذلك،
 من هذا المنطلق أربعة أسئلة تفرض نفسها وتطرح حالياً على الساحة السياسية:
{ الأول: هل يجوز لرئيس الجمهورية أن يكون له حصة في الحكومة ؟
{ الثاني: هل يجوز نزع الثقة التي أعطيت للرئيس المكلّف لتشكيل الحكومة وفقاً للإستشارات النيابية ؟
{ الثالث: هل يعود لرئيس الجمهورية توجيه رسالة الى مجلس النواب لوضع يده على موضوع تشكيل الحكومة ؟
{ الرابع: ما الحل اذا لم يتمكن كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الاتفاق على تشكيل الحكومة؟
عن السؤال الأول:
قلنا أن رئيس الجمهورية يلعب في نظامنا السياسي الديمقراطي البرلماني، دور المرجع والحكم في الصراع السياسي الدائر بين الأحزاب والكتل السياسية التي تتنافس على السلطة، وقد وضعه الدستور في هذا الموقع السامي، فوق الطوائف والأحزاب والصراعات السياسية لحماية النظام والحفاظ على الدولة، وبما لا يجعله فريقاً او طرفا في هذا الصراع، فيفقد حياده وتجرده ودوره كحكم.
ولا يمكن الاعتداد بما ورد في اتفاق الدوحة الذي اعطى رئيس الجمهورية حصة في الحكومة، لأن هذا الأمر فرضته ظروف استثنائية، انتهت بتوافقات ظرفية ومؤقتة واستثنائية، وقد استنفذ هذا الاتفاق مفاعيله في حينه، واذا استمر بعد سنة 2008 بنتيجة واقع معين، فلا يشكل هذا الواقع عرفاً يمكن الأخذ به، فضلاً على انه مخالف للدستور، وهو لا يلاقي قبولاً، ولا شرعية له، ولا يرقى الى مستوى العرف الدستوري.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن اعطاء رئيس الجمهورية حصة في الحكومة،من ثلاثة أو خمسة وزراء، أقل او أكثر، بحجة ان يكون له من يمثله في مجلس الوزراء، او من يطلعه على ما يجري في مجلس الوزراء، لا يخالف الدستور فحسب، ولكن لا يليق بمقام رئيس الجمهورية ولا بمعنويات الرئاسة، ولا يزيد في صلاحيات الرئيس، بل يضعف من مقامه ومن هيبة الرئاسة، لأنه يختصر وجوده في مجلس الوزراء، بثلاثة او خمسة وزراء، وهو الذي يعين مع رئيس الحكومة الوزارة بكامل اعضائها، ولان ذلك يجعل حصته تماثل أو تقل عن حصة أصغر كتلة سياسية أو حزب سياسي، وماذا إذا جرى التصويت في مجلس الوزراء على امر أساسي او عادي وصوتت الأكثرية خلافاً لتصويت الوزراء، الذين يمثلون رئيس الجمهورية، فأي هيبة او معنويات تبقى لرئيس الجمهورية؟ وهل الرئيس بحاجة الى وزراء يمثلونه وينقلون اليه المعلومات عما يجري في مجلس الوزراء او في وزارات الدولة، وهو الذي يرأس مجلس الوزراء، عندما يشاء؟ 
لعل إعادة النظر في هذا الأمر، حفاظاً على مقام الرئاسة، فضلاً عن الموقع والدور، في حال صحة ما يقال أو يشاع في هذا الشأن، يساهم في حل إحدى مشكلات تشكيل الحكومة؟
- عن السؤال الثاني:
لقد حدد الدستور في المادة 53 منه دور أعضاء مجلس النواب بإعطاء رئيس الجمهورية رأيهم الملزم بشأن الشخصية التي يختارونها لتشكيل الحكومة. وهذا يعني أن دورهم هو دور استشاري ملزم ينتهي بانتهاء التكليف، وهو حقّ دستوري فردي لكل نائب، ولا يستند الى إختيار كتلة دستورية، متراصة ثابتة ودائمة، وذات كيان مستقل وقائم، تستطيع الطلب الى رئيس الجمهورية، إعفاء رئيس الحكومة من مهمة تشكيل الحكومة، أو توقيع عريضة من أكثرية مجلس النواب تطلب من رئيس الجمهورية سحب هذه الثقة، لأن ذلك لا سند له في الدستور، ويشكّل إختراقاً للسياق الدستوري لتشكيل الحكومة، يخالف الأصول التي وضعها الدستور لتشكيل الحكومة، ويتعارض مع دور رئيس الجمهورية الذي جعله الدستور شريكاً في تشكيل الحكومة.
- عن السؤال الثالث:
نصّت المادة 53 من الدستور(البند 10) على أن رئيس الجمهورية يوجه عندما تقتضي الضرورة رسائل الى مجلس النواب.
?إن هذه الصلاحية المناطة برئيس الجمهورية المبنية على المادة 49 من الدستور، تعتبر من الصلاحيات المهمة المعقودة لرئيس الجمهورية، لكي تكون معالجة القضايا الكبرى محصورة بمرجعية وطنية، دون تدخل الخارج، و صوناً للقرار الوطني المستقل. إلا أن المسألة المطروحة اليوم، وهي مشكلة تشكيل الحكومة، لا يمكن حلّها بسحب الثقة من الرئيس المكلّف، سواء عن طريق عريضة نيابية، أو تكليف رئيس الجمهورية بهذه الصلاحية، أو عن طريق رسالة يوجهها الرئيس الى مجلس النواب، لكي يضع يده على الموضوع، من خارج السياق الدستوري لتشكيل الحكومة وبما يخالف الدستور:
1- لأن الدستور أناط برئيس الجمهورية وبرئيس الحكومة المكلّف حصراً تشكيل الحكومة بالاتفاق.
2- لأن توجيه رئيس الجمهورية رسالة يطلب فيها الى مجلس النواب وضع يده على هذه المسألة، يخالف نص المادة 53 والمادة 64 من الدستور في شأن آلية تشكيل الحكومة.
3- لأن مجلس النواب لا يستطيع ان يحل محل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة في تشكيل الحكومة، وجلّ ما يستطيعه في هذا الشان هو إصدار توصية او تمني او توجيه، لمعالجة مسألة تشكيل الحكومة.
4-  لأن تدخل مجلس النواب في أمر تشكيل الحكومة، وملابسات هذا التشكيل، خارج الاطار الذي حدده الدستور، يخالف مبدأ الفصل بين السلطات، وهو مبدأ يتمتع بقيمة دستورية .
عن السؤال الرابع: الحل هو في استكمال المسار الذي حدده الدستور لتشكيل الحكومة، كما هو مبين في المرحلة الرابعة.
> المرحلة الرابعة: منح مجلس النواب الثقة للحكومة العتيدة:
نصت الماددة 64 (البند 2) من الدستور، في ما خص صلاحيات رئيس مجلس الوزراء:
«يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة ويوقع مع رئيس الجمهورية مرسوم تشكيلها. وعلى الحكومة ان تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها. ولا تمارس الحكومة صلاحيتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها او اعتبارها مستقيلة الا بالمعنى الضيّق لتصريف الأعمال».
ينتهي إذن، مسار تشكيل الحكومة، وفقاً للسياق المتكامل والمتتابع في المرحلة الرابعة، وهي مرحلة مثول الحكومة أمام مجلس النواب لنيل الثقة، وبعد ان تتقدم ببيانها الوزاري، وذلك في مهلة ثلاثين يوما من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها.
ووفقاً لأحكام الدستور، وتطبيقاً لمبادئ النظام البرلماني، تبدأ مراحل تشكيل الحكومة مع مجلس النواب، عبر الاستشارات النيابية الملزمة، وتنتهي عند مجلس النواب، لنيل الثقة، وهذا هو الامر الطبيعي في نظام ديمقراطي برلماني، تعمل الحكومة بموجبه، استناداً الى ثقة مجلس النواب، وتسقط بعدم إعطائها الثقة أو بسحب الثقة منها، وفقاً للأصول المعتمدة في الدستور.
وهذا السياق الدستوري لا يمكن وقفه او قطعه، باقتراحات حلول تعطي لمجلس النواب أو لأعضائه حق التدخل في هذا السياق الدستوري، او تقديم عرائض، او تفويض رئيس الجمهورية الرجوع عن التكليف،لأن ذلك يخرج عن نصوص الدستور، ويخل بمبدأ الفصل بين السلطات، ويلغي كما ويعطل صلاحية او مشاركة كل سلطة من السلطات، الدستورية في تشكيل الحكومة، في حدود دور كل منها، وهذا يعني ان على رئيس الحكومة المكلف، أن يمضي قدماً في شأن تشكيل الحكومة، بالتعاون والتفاهم والاتفاق مع رئيس الجمهورية، وان يبذلا معاّ كل جهد مستطاع لتشكيل الحكومة واخراج البلاد الى النور، وتحمل مسؤولياتهما الدستورية، وهما قادرين على ذلك، وتشاركهما في هذه المسؤولية القوى والكتل السياسية والنيابية التي يتوجب عليها تسهيل مهمة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وعدم ادخال البلاد في ازمة سياسية ودستورية خطيرة.
بقي السؤال الكبير، ولكن ماذا لو لم يتم التوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على تشكيل الحكومة ؟ 
ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال. ولكن أقول، ان لا حل من خارج الدستور، وان الحل منوط بإرادة كل منهما. ولا يكون إلا:
- باستمرار رئيس الحكومة بهذه المهمة باتفاق مع رئيس الجمهورية، وموافقة رئيس الجمهورية على إصدار مرسوم تشكيل الحكومة، وفقاً للصيغة التي قدمها الرئيس المكلف، باعتبار ان رئيس الحكومة هو الذي يتحمل مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، وبالتالي الاحتكام الى مجلس النواب، الذي يعود إليه في نهاية الأمر، إعطاء الثقة للحكومة العتيدة أو رفضها، وبالتالي العودة الى رئيس الجمهورية في حال الرفض لاجراء استشارات نيابية جديدة تنتهي بتسمية رئيس الحكومة المكلف نفسه، او تكليف رئيس جديد وفقاً لما تُسفر عنه الاستشارات النيابية الملزمة، وهذا ما ينطبق على السياق الدستوري لتشكيل الحكومة، بدل أن تستمر البلاد في حالة الشلل الذي تعانيه.
- أو بوضع حد للصراع السياسي المتأجج واراحة البلاد، ولو مرحلياً، من جحيم السياسة ومغرياتها، واستفادة البلاد من طاقاتها الشابة، وذلك بقيام الرئيس المكلف بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، بتشكيل حكومة من خارج مجلس النواب، وفقاً لما تنص عليه المادة 28 من الدستور، وانصراف هذه الحكومة الى حلّ مشاكل لبنان الاقتصادية والمالية والاجتماعية، وتوفير الامن والامان وكرامة العيش للبنانيين.

* وزير سابق للعدل والتربية والتعليم العالي.



أخبار ذات صلة

يا شعب لبنان العظيم لا أمل عندنا ولا مستقبل لنا. [...]
القبض على لبنان .. هل يحمي إيران؟
الخلل والإحباط في الشارع السنّي / ٣ المظلومية في السياسة [...]