بيروت - لبنان 2018/06/22 م الموافق 1439/10/07 هـ

أحوال العالم العربي: ويل وثبور وعظائم أمور

حجم الخط

ما الذي يحصل لهذا العالم العربي ليحط به الدهر على مهبط كل هذه المصائب والكوارث التي تكاد أن تعود بالكثير من دوله وأرجائه إلى عصور الانحطاط، بل إلى ما دونها بكثير! أول الأعذار التي يرتاح العرب إلى ذكرها، التلطي بنشأة إسرائيل في قلب هذه المنطقة الخارجة لتوها من مآسي الاستعمار واعتبارها أم التآمر وجدّة المتآمرين، وفي واقع الأمر، جاءت إسرائيل بديلا ووكيلا وأصيلا في الحلول مكان الحالة الإستعمارية التي ولت من دون أن نغفل الحالة الاستعمارية العثمانية التي سبقتها طال أمدُها إلى قرون عديدة، كما وطال استغلالها للارض العربية وثرواتها وخيراتها، وخاصة وخاصة، طال أمد استثمارها للشباب العربي كمقاتلين قسريين، في حروبه العديدة والطويلة الأمد مع البلدان المجاورة وفي الحروب التي طاولت بلادنا من خلال الغزو الغربي والصليبي لهذه المنطقة التي تآكلت على أيادي وأفواه ومصالح العثمانيين، ثم جاء الغرب ليتابع التهاماته لما تبقى من غلاة المستعمرين، ولم يخرج مدحورا من هذه المنطقة إلاّ مع غبار الحروب والثورات المحلية، ونشهد للعرب انتفاضاتهم ضد الاستعمارات التي توالت عليهم، ونشهد لهم أنهم قد استحصلوا بتصميمهم ودأبهم، على مغانم وطنية شتى، وأن تكن القوى الاستعمارية الغاشمة قد حققت لنفسها مكاسب ذات مدى بعيد، حيث أعملت في بلادنا يد التقسيم والتفتيت على مدى الامتدادات الشاسعة لهذا العالم العربي إلى تحويلها لأمر واقع مفجع، وتشاطرت بعضها على الآخرين، وكان من حظ القويّ منها تلك المناطق البترولية الحافلة بالثروات النفطية الهائلة، والبعض الآخر كان أقل حظا وشطارة فكان من نصيبه بلدان متواضعة الإمكانات العسكرية. 
بدأنا بهذه اللوحة التاريخية العامة، لنصل إلى حالنا المؤسف في هذه الايام، حيث داهمتنا أخطار جديدة بإيديولوجيات قومية ومذهبية متجددة، وها هي منذ حوالى ثلاثة عقود من هذا الزمان الصعب، تمارس في بلادنا أعمالا حافلة بالأطماع التوسعية والإستعمارية المتجددة، من دون أن نغفل أننا نشير بها إلى إيران التي لم تترك بلدا عربيا من دون أن تتناوله بسيل من الاقتحامات الميليشياوية والعسكرية، وبصورة خاصة، البحرين والعراق وسوريا ولبنان، ومن دون أن نغفل اليمن وما يطاول المملكة العربية السعودية من خلاله من صواريخ إيرانية وتآمر داخل المملكة وخارجها على أمنها ونظامها الحاكم، من دون أن ننسى نتفاً من التدخلات والاقتحامات السياسية والأمنية المختلفة في أكثر من بلد عربي، بحيث تصحو كل يوم على خبر جديد من بطولة الحرس الثوري والميليشيات المختلفة المرتبطة به، الأمر الذي أدى إلى إشكالات أساسية وجانبية في عدد آخر من البلدان من بينها لبنان والأردن، كما وأدى ذلك بالنتيجة إلى أحوال إقتصادية متدهورة، عمدت المملكة في وقت من الأوقات، إلى ملاقاتها بهبة أخوية إلى لبنان يبلغ مجموعها أربعة مليارات دولار، إلاّ أنها ما لبثت أن تراجعت عنها نظرا لما طاولها من تهجمات مؤسفة من قبل بعض اللبنانيين الذين ربطوا زمامهم بالنهج الإيراني وبحروبه في أكثر من موقع وبالخصوص في سوريا، والحروب الكونية العالقة في أراضيها والتي لم تعرف لها خاتمة مقبلة حتى الآن نظرا لصعوبة وخطورة الاحترابات متعددة الأشكال والألوان والإنقسامات الداخلية السائدة على أرضها منذ حوالى الثمانية أعوام ولمّا تزل مستمرة بوجوه متبدلة وعناصر جديدة حولت هذا البلد المنكوب إلى مستعمرة حقيقية للدولة الروسية، وكما صرح رئيسها بوتين، فإن جيشها يكتسب كل يوم خبرة جديدة، وإن معاركها كما يقول بوتين أيضا، باتت أهم معرض لأسلحتها الحديثة المتفوقة، وإن وجودها في سوريا يترجم مصالحها الإقليمية والدولية كائنا ما كانت مظاهره العسكرية ذات طابع إجرامي لا يحرّم ولا يحلل، يقتل ويدمر مدنا ومناطق بأسرها من دون أن يرف له جفن، بل هو على استعداد تام لبيع وجوده كله في سوريا في مقابل أية مصلحة ذات أهمية تفوق تلك الأهمية التي تربط مصالحه بسوريا، وهو يساوم على كل شبر من أرضها مفتعلا لذلك أسبابا ودوافع مبنية على إذن مفتوح وتولية مطلقة منحت له بسخاء من قبل نظام الأسد.  
ما الذي يحصل لهذا العالم العربي، الذي رغم شؤونه وشجونه المخيفة ما زال غارقا في نزاعاته الداخلية والبينية الى تلك الحدود غير المعقولة والتي تكاد أن تنفي عن أمة العرب أنها كانت ذات يوم امّة فضلى (خير أمة أُخرجت للناس)، ويبدو أنها تنازلت عن هذه الصفة منذ زمن بعيد!. 

daouknet@idm.net.lb 



أخبار ذات صلة

أزمات الوطن تُبقي الدولة مُعلّقة…
بانتظار تشكيل الحكومة: يكون لبنان أو لا يكون
يتغيّر اللاعبون ولكن دون تغيير اللعبة