بيروت - لبنان 2019/11/21 م الموافق 1441/03/23 هـ

إستقالة صادمة... هل من مخرج؟

حجم الخط

في قرار مفاجىء أعلن الرئيس سعد الحريري استقالة الحكومة، ليفتح بذلك نافذة في الحائط المسدود الذي وصلت إليه الأزمة السياسية التي تسببت بها الانتفاضة الشعبية العارمة والمستمرة منذ اسبوعين. في غياب المعلومات حول مضمون الاتصالات التي أجراها الرئيس الحريري خلال اليومين الماضيين مع مختلف القوى السياسية التي تتشكل منها الحكومة لا بدّ من الاستنتاج بأن القرار يعبر عن قناعة رئيس الحكومة بضرورة اتخاذ خطوة تعيد خلط كل الأوراق السياسية، وتؤدي بالتالي إلى وضع الجميع أمام استحقاق البحث عن تشكيل حكومة جديدة ترضي الشارع، وتفتح الباب أمام فتح الطرقات وعودة الاستقرار.

فتحت استقالة الحكومة الباب أمام رئيس الجمهورية لإجراء استشارات نيابية سريعة من أجل تسمية رئيس جديد للحكومة العتيدة، والتي من المفترض أن تتجاوب مع مطالب الشارع، بحيث تضم شخصيات مستقلة ومشهود لها بالكفاءة والنزاهة، لتكون قادرة على السير قدماً في برنامج إصلاحي واسع يعيد وشائج الثقة ما بين الدولة والشعب.

ستتوقف نتائج الاستشارات النيابية على مدى حكمة رئيس الجمهورية في إدارة الاستشارات، وإلى إتعاظ القوى السياسية المتمثلة في المجلس النيابي من المخاطر الاقتصادية والمالية والمعيشية والأمنية التي يواجهها لبنان في غياب النزول عند رغبات الجموع المنتفضة. وتنفيذ المطالب بحدها الأدنى.

من المؤكد أن هناك قوى سياسية متضررة من استقالة الحكومة وأبرزها حزب الله والتيار الوطني الحر، حيث خسرا النفوذ والقوة التي كانا يتمتعان بها من خلال 18 وزيراً، هذا بالإضافة إلى أن استقالة الحكومة تتسبب بانكشاف حزب الله سياسياً وأمنياً في ظل الظروف العصيبة التي يواجهها محور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران، في لبنان والعراق.

اسقطت استقالة الحريري اللاءات الثلاث التي أطلقها أمين عام حزب الله والمتمثلة بعدم استقالة رئيس الجمهورية واستقالة الحكومة وإجراء انتخابات مبكرة، والتي كان قد أطلقها في خطابه في بعلبك يوم أربعينية الحسين بن علي، وعاد وكررها في إطلالة تلفزيونية لاحقة. وهكذا فإن الاستقالة المفاجئة تطرح علامات استفهام حول المواقف التي يمكن أن يتخذها الحزب على المستوى السياسي أو على مستوى الشارع، بهدف استعادة المبادرة، وتحصين مواقعه في وجه الهجمة الأميركية المتواصلة.

يجد حزب الله نفسه الآن في موقف صعب مليء بالتناقضات، والتي يمكن الإضاءة عليها من خلال النقاط الآتية:

أولاً، كان قد أعلن حزب الله منذ تشكيل الحكومة على لسان أمينه العام ومن خلال كتلته النيابية عن نواياه بشن حرب شعواء ضد الفساد. وإذا به يتخذ موقفاً متناقضاً مع هذا الطرح من خلال التشكيك بأهداف الإنتفاضة حيث ذهب إلى التشكيك بها وإتهامها بالعمالة والتبعية لسفارات أو جهات تمولها.

ثانياً، عوّل حزب الله في مواقفه منذ انطلاق الانتفاضة على احترام الخطوط الحمر التي حددها أمينه العام من قبل رئيس الجمهورية وفريقه ومن قبل رئيس الحكومة. كما عوّل على قدرة الجيش والقوى الأمنية على احتوائها وإفشالها من خلال فتح الطرقات في خطوة أولى وإخلاء الساحات في خطوات لاحقة.

ثالثاً، فشل حزب الله في تقديم المساعدة السياسية اللازمة لانجاح المساعي التي إضطلع بها رئيس الحكومة من أجل إيجاد حل لتعديل الحكومة، والتخلص من بعض الرموز داخل مجلس الوزراء والتي ساهمت بقسط كبير في تكون السخط الشعبي الذي شكل الدافع الأساسي للإنتفاضة. يبدو بأن حزب الله والعهد قد دافعا عن وجود الوزير جبران باسيل في الحكومة المعدّلة أو في أية تشكيلة بديلة. ولذلك لا يمكن أن يحمّل الحريري مسؤولية إنكشاف الحزب سياسياً وإستراتيجياً.

رابعاً، حاولت عناصر من حزب الله التعرض لساحات الانتفاضة تكراراً في محاولة لاحراج القوى الأمنية، ودفعها إلى الشارع لفض الانتفاضة، ويدفع هذا الأمر معطوفاً على تهديد السيد نصر الله باحتلال الساحات لتغيير كل المعادلات إلى التساؤل عن الخطوة التي يمكن أن يتخذها الحزب كتدبير احتياطي لاحتواء الهواجس والمخاطر الناشئة عن خسارته للمظلة الواقية التي كانت تؤمنها له الحكومة. ويبقى الأمل معلقاً على مدى حكمة قيادة حزب الله في أية إجراءات تتخذها على ضرورة عدم الإنزلاق نحو فتنة تؤدي إلى الاشتباك بين شارعين.

تقضي دقة الأوضاع ومخاطر المرحلة على المستويين السياسي والاقتصادي أن يبدأ رئيس الجمهورية استشاراته النيابية، والتي يمكن أن تأخذ طابع الحوار الوطني البناء مع مختلف القوى للتعجيل في التوافق على تشكيل حكومة ترضي طموحات الشارع، وتكون قادرة بنفس الوقت على وضع وتنفيذ رؤية اصلاحية يريدها الجميع.

لا نعرف الظروف والحيثيات التي سبقت ورافقت إعلان الحريري لاستقالته، لكن لا بد لنا من التحذير من محاولة حزب الله والتيار الوطني الحر للثأر من الحريري وعدم تسميته لرئاسة الحكومة، متناسين الدور البناء الذي يمكن أن يقوم به في العملية الإصلاحية وفي النهوض الاقتصادي، وذلك انطلاقاً من رصيده السياسي ومن ثقة ودعم المجتمع الدولي والدول العربية له.

ويبقى السؤال هل من مخرج واقعي لإرضاء الشارع وخلاص لبنان؟ يتوقف الجواب على قدرة الرئيس عون، مدعوماً من حليفه حزب الله على استيعاب صدمة الاستقالة، والتصرف بحكمة ومرونة لاستيعاب نتائجها وتوظيفها للخروج بتشكيلة حكومية تضم عدداً من الإختصاصيين ومطعّمة ببعض الوجوه السياسية.







أخبار ذات صلة

21-11-2019
غانتس يُعيد كتاب التكليف إلى ريفلين بعد فشله في تشكيل الحكومة
ليبرمان يُفشِل مُحاولة غانتس لتشكيل حكومة... انتخابات ثالثة في عام
غارات إسرائيلية واسعة على مواقع إيرانية في دمشق