بيروت - لبنان 2020/10/29 م الموافق 1442/03/12 هـ

إنه لبنان… أيها الأغبياء

حجم الخط

هنا لبنان، حيث جاء الاشقاء والأصدقاء والاعداء وتوهموا بانهم تمكنوا وتحكموا وتمتعوا، وخرجوا غير فخورين بما ارتكبوا من ارتجالات وحماقات حين اعتقدوا بان السياسة في لبنان سياحة ونزهة وملعب للهواة، واكتشفوا بعد فوات الاوان بان ما شاهدوه في لبنان كان تجارب واختبارات ما لبثت ان انتقلت نتائجها وويلاتها الى بلدانهم ومجتمعاتهم، وبقيت اسرارها وعلاجاتها في اعماق الذاكرة الوطنية الجريحة لمجتمع ما بعد النزاع في لبنان.   

 هنا لبنان، مختبر الشرق الاوسط الكبير للتفاعل والتصادم بين الافكار والأديان والقوميات والاثنيات، واختبار اشعال الحرائق والنزاعات بين ابناء الوطن الواحد والتجربة الوطنية الواحدة وبين ابناء الديانات والأيديولوجيات، وهنا تعاظمت الاحلام الوطنية والقومية والأممية والمدنية، وهنا تعاظمت الخيبات والنكسات والاحتلالات والوصايات وما اختبر في لبنان انتقل بعد سنوات الى البلدان الشقيقة الذين سكروا بتحكمهم بأدوات السلطة وتمتعوا بإدارة الأزمات اللبنانية واكتشفوا بعد فوات الاوان بانهم كانوا تحت الاختبار بعد ان انتقلت عدوى النزاعات الى دولهم ومجتمعاتهم.

هنا لبنان، بوابة الغزوات والاحتلالات والحملات والتحالفات والصداقات والخصومات والمنارات الثقافية والتربوية والفكرية التي اجتاحت المنطقة، وهنا تركت بصماتها الاولى وهنا تكونت فكرة مجتمعات الانفتاح والتفاعل والتعدديات، وهنا تفاعلت وتكاثرت وكانت شديدة الأثر على تكوين الاتجاهات الدينية والقومية والمحاور الأيديولوجية والنزعات الأسطورية والتاريخية، وتركت آثارها على المكان والزمان والإنسان وتوهم كل الطامحين بالتوسع والتحكم بأن لهم امتدادات تمكنهم من استتباع لبنان.

هنا لبنان، حيث اختبرت لعنة الموت والدمار على شعوب المنطقة بإثارة العصبيات والقبليات الدينية والمذهبية والميليشياوية، حيث تحولت المجتمعات الى وحوش بشرية تمارس متعة القتل والتدمير والنهب وتشريد النساء والأطفال، وهنا تمت اختبارات الربيع الوهمية الذي يبدأ ورديا وجميلا ويتحول بعد أسابيع الى خريف حزين يهجر الآمنين ويقتل الابرياء ويعبث بمصير الاجيال، ولم يتعلم الاشقاء من الربيع اللبناني عام ١٩٧٥ حتى  تكررت المأساة مع  لعنة الربيع العربي الكبير منذ ٢٠١١ والذي شرد الملايين وقتل الملايين وفكك الدول والمجتمعات ولا يزال.  

هنا لبنان، حيث طبع الكتاب العربي الاول، وهنا كانت الإرساليات والسفارات الاولى والمدارس والجامعات والصحف والأحزاب والتظاهرات والاعتصامات والانتخابات والبرلمانات ، وهنا رفع علم الثورة العربية الاول، وهنا علقت مشانق رواد المؤتمر العربي الأول، وهنا تموضعت وتصارعت كل التيارات الفكرية والثقافية والأيديولوجية وأنصار الإمبراطوريات الدينية وانصار الدول القومية والنازية والـڤـيشـية والديغولية والبريطانية وحلف بغداد والوحدة العربية، وهنا كانت اول تجليات الحرب الباردة السوفياتية الاميركية، وهنا بدأت ثقافة النزاع الأهلي المسلح الاول، وهنا نزلت القوات الاميركية اول مرة بعد الحرب الثانية، وهنا اختبر الكفاح الشعبي المسلح والمقاومات والاجتياحات، وهنا تفككت اول دولة عربية، وهنا احتلت اول عاصمة عربية وووو.  

هنا لبنان، حيث التجربة الوطنية اللبنانية اكبر من تصغير لبنان الكبير واكبر من مكونات السلطة الطائفية والمذهبية، بعد ان دفع جميع اللبنانيين ثمن الهوية الوطنية اللبنانية الكثير من الدماء والدمار والحرائق والتشرد والضياع والتهجير وهجرة الطاقات الخلاقة وخبرنا الجيوش الشقيقة والصديقة والعدوة وتحملنا قصف الطائرات والبوارج وتجرعنا مرارة الاغتيالات والخيانات والتفجيرات.

وهنا لبنان، حيث نشعر هذه الايام بالكثير من الخجل نتيجة موجات الخفة والتطير وتضخم الذات والبطولات الوهمية من قبل حفنة من الهواة تستخف بعقول الناس وتتجاهل كل تلك التجارب والاختبارات والمرارات والتضحيات، متناسيين انه هنا اختُبرت وصُنعت النزاعات، وهنا يُختبر ويُصنع الانتظام... انه لبنان... انه لبنان... أيها الأغبياء.   

ahmadghoz@hotmail.com





أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 29-10-2020
وسام الأرز الوطني للبروفسور ناجي الصغير
29-10-2020