بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

إيجابيات التأليف: هل تحيي الحكم وهو رميم؟

حجم الخط

أما وأن الوضع الحكومي قد تجاوز بنجاح ملحوظ مرحلة التكليف إلى مرحلة التأليف، وأما وأن حال الإحتقان والخصومة الشديدة قد تخطت حدود المجابهة في المواجهة الحادة ما بين التيار الوطني الحر ممثلا بالرئيس عون ورئيس التيار جبران باسيل، والرئيس سعد الحريري، بعد أن انقلبت الأوضاع متجاوزة حال التصريح بالإمتناع عن السعي إلى تولي مركز رئاسة الحكومة طوال العامين المتبقيين من عمر العهد لتعذر الحوار واللقاء الإيجابي ما بين الفريقين، ها نحن «ببركة» الجو الإيجابي المستمر الذي خلفته المبادرة الفرنسية والآفاق التي فتحتها أمام القيادات اللبنانية إنطلاقا من اللقائين التوفيقيين اللذين سبق أن عقدهما الرئيس ماكرون في القصر الرئاسي في بعبدا وفي قصر الصنوبر في بيروت، وكان من نتيجتهما أن استعاد الرئيس الحريري إطلالته كمرشح «طبيعي» لرئاسة الحكومة، «من الطبيعي» أيضا أن يلاقيه الرئيس عون لقاء إيجابيا سعيا منه لتدارك الأوضاع المتدهورة التي تعاني منها البلاد، ويكابد من نتائجها العهد خاصة على مستوى ما يلحظه المراقبون السياسيون من تراجع في وضعيته الشعبية الصعبة، الأمر الذي يبرز من خلال تصريحه بأن الزعامات السياسية والحزبية من حوله لا تترك له مجالا للتصرف والإنتاج الإيجابي الأمر الذي لقي تحفظا شاملا على تصريح صادر عن «رئيسٍ قويٍ» يصرح معترفا «بضعفه» تجاه مواقف الآخرين السلبية. 

وبعد مأساة «الإنفجار النووي» في مرفأ بيروت والمآسي الجسام التي نشأت عنه في المجالات الإنسانية والعمرانية التي طاولت قسما كبيرا من بيروت الشعبية والتراثية محدثة فيها قتلا وخرابا ودمارا وتشريدا، أقبلت باتجاه لبنان جملة من الإهتمامات الدولية والإقليمية وفي طليعتها ما تمثل بالمبادرة الفرنسية ونجاحها الملحوظ في بداية انطلاقتها في استقطاب ذلك التوافق الشامل من حولها والذي ضم إليه الفئات اللبنانية كافة بقياداتها المختلفة، مما أسفر عن حكومة انطلقت وفقا لذلك التوافق برئاسة السفير مصطفى أديب الذي لم يطل وجوده في المرحلة التأليفية حيث سارع بعد وقت قصير من انطلاقتها إلى تقديم استقالته والتراجع والإستمرار في مهمة رئاسة الحكومة التي سريعا ما اتضح أنها قد رضخت لوضعيات الإنقلاب عليها من أولى الشؤون والشجون اللبنانية ليغوص اللبنانيون مجددا في لجّة المهمة شبه المستحيلة، وليغرقوا ويغرق لبنان معهم في لجّة أخطار الأوضاع المتدهورة في كل الأحوال والميادين، إلى درحة أرست اللبنانيين على ضفاف اليأس والتدهور الشامل والإضمحلال الكامل، وانتفضت المبادرة الفرنسية وأعادت على مسرح الأحداث، الرئيس سعد الحريري «كمرشح طبيعي» لرئاسة الحكومة، وكانت جملة من التحركات والجهود واللقاءات، وكثير من التفسيرات التي أعطت لرجوع الرئيس الحريري عن موقفه السابق وعودته إلى تصدر ساحة رئاسة الحكومة، منطلقا من المباديء التي اعتُمدت من خلال المبادرة الفرنسية، ومستعيدا إليه موقعا ايجابيا من الرئيس عون، ومتجاوزا مواقف قوى مسيحية أساسية الوجود والموقع (القوات اللبنانية وحزب الكتائب). 

وبالموقف الإيجابي المستجد للرئيس عون والتيار الوطني الحر، خفت الكلام عن افتقار الوضع العام إلى سلامة ميثاقية الجهود المبذولة لتشكيل حكومة جديدة نوه إليه غبطة البطريرك الراعي، محذرا من تجاوز الإرادة المسيحية ومحذرا من التوافقات الثنائية المتحدة خلف الكواليس الذي كان قائما قبل المواقف الإيجابية المستجدة، للتيار الوطني الحر، مما أضاف إلى الوضع المسيحي الذي سبق وأن وافق على التكليف، مستندا إلى قوى مسيحية في طليعتها تيار المردة وعدد مهم من نواب مسيحيين مستقلين أو منشقين عن تيارات أوسع حجما، أما بعد، وبما أن الجهود الحالية القائمة بجهد مشترك ما بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بصورة متخفية وبعيدة عن التصريحات الإعلامية الوافية، مشكلة بحدّ ذاتها تقدما إيجابيا نحو حلّ ما، يستند إلى مباديء المبادرة الفرنسية وإيجابياتها التوافقية، إلاّ أن ما يصل إلى العلم العام، يدفع إلى التحسّب والتحفّظ لجهة إمكانية الحفاظ على سلامة المسيرة التي تبناها الرئيس ماكرون، وتبدّى ذلك من وقائع لا نعلم حتى الآن مدى صحتها، أنها تقوم الأسافين المعرقلة في صلب المباديء العامة للمبادرة الفرنسية، حيث ترى بعض الأوساط أنها ستكون مؤلفة من مرشحين مستقلين من ذوي الكفاءات والإختصاصات رفيعة المستوى، وأنها ستتألف من خلال استشارات وترشيحات واختيارات لوزارات محددة لجهات سياسية وحزبية ساعية إليها، الأمر الذي ينال من مبدأ الإستقلالية ويعيد إلى الوجود وضعية المحاصصة التي طالما عانى منها الوضع الحكومي في لبنان، مما يعرض الحكومة المقبلة إلى كثير من الإشكاليات المعرقلة، وفي الواقع لا يمكن الركون إلى هذا التحسب قبل أن نرى بأم العين التشكيلة الحكومية المقبلة التي سيقدر لها في حال بروزها إلى الحياة العامة، مهمة إنقاذ لبنان من سوء الأوضاع والتهديد الخطير الذي قد يزداد لبنان انحدارا إلى اقصى أعماقه، وفي الواقع، نرجو لمهمة الرئيس الحريري بكل أمكانياتها وطاقاتها وحسن نوايا بعض قواها المؤثرة. 

ولعل الحكومة قيد التأليف تحقق نجاحا سريع التنفيذ والأثر يبدأ نجاحا بجملة من القرارات الإنقاذية لوقف فوري لحالات التدهور بكل أشكالها وأنواعها، فتستمر جهودها في مراحل سريعة متلاحقة ساعية بجد وفاعلية إلى تنفيذ عمليات الإصلاح التي حددتها المبادرة الفرنسية والتي بدونها وبدون توفير شروط النجاح لها، فإن لبنان سيستمر في هذه الحالة ساعيا بيديه ورجليه إلى وضعية تدمر ما تبقى له من قدرته على الصمود. 

ويراودنا أمل كبير نرجو أن يتحقق من خلال خلاص لبنان واللبنانيين، فما بين رفة عين واختلاجتها، يغيّر الله من حال إلى حال. 

اdaouknet@idm.net.lb


أخبار ذات صلة

التحكم المروري: قتيل إثر انزلاق دراجة نارية على أوتوستراد الأسد [...]
الأمطار في طرابلس تحولت الى نقمة بفعل الاعمال
السلطات الفرنسية أعلنت بعد مواجهات السبت الماضي أنها ستعيد النظر [...]