بيروت - لبنان 2018/12/11 م الموافق 1440/04/03 هـ

اسقاط النأي بالنفس... دفاعاً عن حزب الله

حجم الخط

في ظل استمرار أزمة تشكيل الحكومة والتي لا يبدو في الأفق المنظور أي بصيص أمل في حل عقدها «المستعصية»، وفي ظل التطورات والأحداث الأخيرة التي شهدها المسرح السوري والتي باتت تؤشر الى إمكانية اندلاع حرب إقليمية، قصد الرئيس ميشال عون نيويورك على رأس وفد «فضفاض» ليلقي كلمة لبنان في هذه المظاهرة السياسية الدولية التي تشهدها الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
تشكل هذه المناسبة فرصة للرئيس عون لعرض موقف لبنان من مجمل القضايا الهامة التي يواجهها في الداخل ومن القضايا الدولية والإقليمية، وتأكيد خيارات لبنان للحفاظ على أمنه وعلى تحقيق مصالحه الأساسية، ومطالبة المجتمع الدولي بدعم سياساته لحماية لبنان من التساقطات الإقليمية.
من المفترض أن يستفيد الرئيس عون من الاجتماعات التي يمكن أن يعقدها مع رؤساء وممثلي الدول التي شاركت وتعهدت بمساعدة لبنان في مؤتمر «سيدر» في باريس، وفي اجتماع روما لدعم الجيش، وفي مؤتمر بروكسيل حول النازحين السوريين. ولا بد في سياق هذه الاجتماعات أن يؤكد الرئيس عون جدية جهوده لتشكيل حكومة متجانسة وفاعلة في أقرب وقت ممكن وأن يؤكد تمسك لبنان بسياسة «النأي بالنفس»، بالإضافة الى الالتزامات التي قطعها لبنان لإجراء الإصلاحات الاقتصادية والمالية اللازمة.
في الواقع، لا بد من التساؤل عن مدى قدرة الرئيس عون في خطابه امام الجمعية العمومية لتسويق مواقفه من مجمل المسائل الداخلية والإقليمية، بكل تعقيداتها وخصوصاً لجهة قدرة لبنان على تطبيق سياسة «النأي بالنفس» عن نزاعات المنطقة وخصوصاً عن الأزمة السورية على ضوء التصريحات الأخيرة التي أطلقها السيد حسن نصر الله امين عام حزب الله في احتفالات عاشوراء الأخيرة. لقد أسقط نصر الله تعهدات الدولة اللبنانية باعتماد سياسة «النأي بالنفس» من خلال الدعوة للوقوف الى جانب ايران في مواجهة العقوبات الأميركية، ومحاصرتها ومنع دول العالم من شراء نفطها. ورأى أنه لا يمكن للبنان النأي بالنفس عن حروب المنطقة لأن «مصير لبنان يصنع في لبنان وفي ساحات المنطقة وميادينها»، مؤكداً بأن حزب الله باق في سوريا الى حين انتهاء الحرب هناك.
اللافت في الأمر، أن تصريحات السيد نصر الله بالدعوة للوقوف الى جانب إيران وربط مصير لبنان بما يجري في ساحات المنطقة قد جاءت قبل أيام معدودة من سفر الرئيس عون الى الأمم المتحدة. لم يعط السيد نصر الله لحليفه الرئيس عون الفرصة لإعلان استمرار سياسة «النأي بالنفس» بشكل يوحي بأقل قدر من مصداقية القول، لا الفعل. لن يكون من السهل على الرئيس عون اقناع المستمعين الى خطابه في الجمعية العمومية أو من يلتقيهم من الرؤساء في جلسات خاصة، بجدية تصريحاته في المقابلة التي اجراها مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بأنه قد وضع منذ انتخابه رئيساً في رأس أولوياته استعادة «هيبة الدولة» وبأنه ينتهج سياسة النأي بالنفس تجاه النزاعات التي تهز المنطقة وتحديداً النزاع في سوريا، وبأن الوقائع تشير الى أن الإرهابيين كانوا يهاجمون أراضينا، وحزب الله كان يدافع عنها، وبأن الحزب لا يلعب أي دور عسكري في الداخل. سيواجه الرئيس عون، من دون شك، استغراب مَن سيلتقيهم من تفريط السلطات اللبنانية بالسيادة الوطنية لصالح حزب الله، والذي بات يوظف كل طاقاته لخدمة مشاريع ايران على مستوى المنطقة ومساعدة النظام السوري في حربه ضد معارضيه، وبالتالي تحميل لبنان نتائج هذه الخيارات وما يستتبع ذلك من ضغوط هو في غنى عنها.
في رأينا يقف لبنان اليوم في مهب رياح ساخنة قد تضع المنطقة على شفير حرب إقليمية وذلك جراء الحوادث الأخيرة والتطورات المرتقبة من العقوبات الأميركية ضد ايران، وتداعيات الهجمات الإسرائيلية على سوريا واسقاط الطائرة الروسية وقرار بوتين بتسليم الجيش السوري منظومة صواريخ S300 وبالتالي الإخلال في موازين القوى في الميدان السوري.
تدعو الواقعية السياسة أن يبادر الرئيس عون في خطابه امام الجمعية العمومية اليوم الى اعلان اعتماد سياسة النأي بالنفس، فعلاً لا قولاً، وتطبيق اعلان بعبدا الصادر عام 2012، والمعترف به من قبل مجلس الأمن الدولي، بالإضافة الى كل الالتزامات التي قدمها لبنان في مؤتمر «سيدر» وذلك استناداً الى روح التسوية والتوافق الوطنيين.
بات من الضروري أن يدرك الرئيس عون وكل القيادات السياسية بأن سياسة التسويف والمواقف الرمادية لم تعد كافية لحماية لبنان من الأخطار المقبلة، وبأن الحكمة تدعو لتسريع تشكيل حكومة قادرة، وبأن الأولوية لا بد أن تتركز على تحقيق وحدة الموقف الوطني بدل التلهي بالمطالبة بحقوق «المسيحيين» تحت شعار «الرئيس القوي».



أخبار ذات صلة

الأنفاق دعوة إلى الحرب لم توافق الأجندة الإسرائيلية
الأيام القادمة ... شديدة الخطورة
عقد متتالية وأزمات متلاحقة وحلول تنتظر التطورات