بيروت - لبنان 2018/11/14 م الموافق 1440/03/06 هـ

الإحباط والخلل لدى الطائفة السنيّة إلى أين /2

نظرية «أم الصبي» لم تردع الإستهدافات المستمرة!

حجم الخط

لم يكن ينقص الجمهور السنّي تعطيل إعلان الحكومة العتيدة, حتى يُدرك حجم الخلل الحاصل في المعادلة الداخلية, والذي يعمل شركاء في الوطن على إظهاره, وعرض عضلاتهم لتكريسه، كلما لاحت في الأفق بوادر العودة إلى مسار التوازن, وتصحيح الاختلال المتزايد!
 إن استهداف السنّة ليس وليد اليوم, بل بدأ عملياً منذ السنوات الأخيرة للحرب, وبعد عودة القوات السورية إلى لبنان, وإطلاق يد الميليشيات في استباحة بيروت, والقضاء على التنظيم المسلح الوحيد المحسوب طائفياً على السنّة, وإرغام قيادات سياسية بحجم الرئيس صائب سلام والرئيس تقي الدين الصلح على مغادرة البلد إلى المنفى, وما تبع ذلك من اغتيال بشع للمفتي الشيخ حسن خالد, فضلاً عن الدمار الذي أصاب أحياء بيروت خلال «حرب التحرير», التي أجبرت آلاف العائلات إلى مغادرة مساكنها, والبحث عن اماكن أكثر أمناً.
واستمر تحجيم الدور السنّي في مرحلة ما بعد الطائف, حيث وضعت العديد من بنود الميثاق الوطني الجديد على الرف, وتم تفريغ مركز رئيس الحكومة من الصلاحيات الدستورية, التي أرسى قواعدها الدستور الجديد, إلى جانب محاصرة حضور رئيس الحكومة القوي رفيق الحريري, والحؤول دون امتداد زعامته خارج بيروت, بل ومنعه من التواصل مع المناطق ذات الكثافة السنيّة, خاصة في الشمال والبقاع.
وفيما كانت المساعدات تنهمر على بقية الطوائف للنهوض بمؤسساتها التربوية والاجتماعية والتنظيمية, بقي أهل السنّة, ومَن يدعمهم من الدول العربية الشقيقة, وخاصة الدول الخليجية, يوجهون جهدهم للدولة ومؤسساتها الشرعية, انسجاماً مع إيمانهم المطلق بأهمية قيام الدولة القادرة والعادلة, في إرساء دعائم الأمن والسلم الأهلي في البلد, بعدما فشلت كل محاولات فرض الأمن الذاتي الطائفي, التي راجت في سنوات الحرب, في مختلف المناطق اللبنانية.
أشاع الولاء المتزايد للدولة, شعوراً وهمياً لدى بعض القيادات السنية بمسؤوليتها المطلقة عن إنجاح التجربة الوطنية, معتبرة نفسها بأنها «أم الصبي», مع كل ما يترتب على هذا الشعور الواهم, من أعباء وتنازلات, وصلت إلى حد التضحيات بحقوق بديهية في المعادلة الداخلية, وأفضت إلى هذا الخلل الذي تسبّب بموجات الإحباط السائدة حالياً في أوساط الطائفة.
وهذه بعض الوقائع على سبيل المثال لا الحصر:
إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط ٢٠٠٥, قضت نظرية «أم الصبي» التحالف مع بعض خصوم الرئيس الشهيد في الانتخابات النيابية في إطار «التحالف الرباعي», تجاوزاً لكل الاعتبارات السياسية والحزبية, والتباعد الاستراتيجي الحاصل مثلاً, بين تيار المستقبل وحزب الله, حيث اتهم الأول النظام السوري بعملية الاغتيال, فيما كان الثاني ينظم مهرجان ٨ آذار ليقول «شكراً سوريا»!
في حرب تموز ٢٠٠٦, قفزت «أم الصبي» فوق كل التداعيات المدمرة للحرب, والاختلاف على توقيتها والتفرّد بقراراتها, وخاضت الحكومة الائتلافية ورئيسها فؤاد السنيورة, المواجهات الديبلوماسية في المحافل الدولية توصلاً إلى قرار مجلس الأمن 1701 لوقف حرب النار والدمار, وتأمين دور «معزز» وأكثر فاعلية للقوات الدولية على الحدود مع العدو الإسرائيلي. وما أن وضعت الحرب أوزارها حتى تحولت الحكومة ورئيسها إلى «مجموعة من المتآمرين» على المقاومة, وذهبت الوقفة الدامعة الشهيرة للسنيورة ادراج الاستئثار بتوظيف نتائج الحرب, وإلهاء الناس عن دمارها المريع وغير المسبوق!
وعندما وصل التحقيق في اغتيال الحريري إلى إنشاء المحكمة الدولية, وإحالة جريمة تفجير النائب جبران التويني إلى لجنة التحقيق الدولية, وصلت معارضة أحزاب ٨ آذار إلى حد تعطيل الحياة السياسية والبرلمانية في البلد, من خلال الانسحاب من الحكومة, وشل الحركة في الوسط التجاري عبر احتلال ساحة رياض الصلح والشوارع المحيطة بها, غير عابئين بمصالح آلاف العائلات التي تعيش من عملها في هذه المناطق.
ورسم يوم السابع من أيار ٢٠٠٨ الأسود, مشهداً دراماتيكياً لحجم الخلل الحاصل في المعادلة الداخلية, عبر سيطرة حزب الله عسكرياً على العاصمة, ومحاصرته السراي الكبير, وقلب الطاولة على رؤوس الجميع, بهدف إسقاط الحكومة, وتغيير مسار اللعبة التي حدد قواعدها اتفاق الطائف.
وكرس اتفاق الدوحة ظاهرة الثلث المعطل في الحكومات اللبنانية, خلافاً لكل النصوص الدستورية, أصبح معها رئيس الحكومة أشبه برهينة لمن يملك الثلث المعطل في وزارته, وهذا ما ظهر جلياً عند استقالة وزراء ٨ آذار من الحكومة, بينما كان رئيسها يهم بمقابلة الرئيس الأميركي باراك أوباما في البيت الأبيض, وذلك خروجاً على التعهد الذي قطعوه ووقعوا عليه في اتفاق الدوحة والقاضي بعدم الاستقالة من الحكومة!
ومن المفارقات الفولكلورية للسياسة اللبنانية أن الثلث المعطل هو اليوم في صلب الخلاف الحالي بين الحليفين اللدودين حزب الله والتيار الوطني الحر, في تشكيل الحكومة العتيدة!
الكلام عن وقائع الخلل والإحباط عند الطائفة السنيّة لا ينتهي بمثل هذه العجالة, وللحديث تتمة في الاثنين المقبل.
 


أخبار ذات صلة

يا شعب لبنان العظيم لا أمل عندنا ولا مستقبل لنا. [...]
القبض على لبنان .. هل يحمي إيران؟
الخلل والإحباط في الشارع السنّي / ٣ المظلومية في السياسة [...]