بيروت - لبنان 2019/12/08 م الموافق 1441/04/10 هـ

الثورة محصَّنة في وجه المؤامرة

حجم الخط

نجحت الثورة للمرة الثانية في منع انعقاد جلسة المجلس النيابي، ويؤكد هذا الإنجاز على صلابة الإنتفاضة وعلى قدرتها على حشد جمهورها لإقفال جميع الطرقات والمنافذ المؤدية إلى ساحة النجمة، وبالتالي إفشال كل الخطط الموضوعة من قبل رئاسة المجلس والكتل النيابية لكسر الطوق، وتأمين النصاب اللازم لانتخاب اللجان النيابية، وعقد جلسة تشريعية وإقرار ستة عشر بنداً مدرجة على جدول أعمالها.

يضاف هذا النجاح الجديد إلى الإنجازات الكبيرة التي حققتها الثورة بدءاً من إسقاط الحكومة بعد أن برهن الرئيس سعد الحريري بأنه قد سمع جيداً صوت الجماهير المطالبة بالإصلاح من خلال الدعوة لاسقاط كل القوى السياسية الراهنة، وتشكيل حكومة مستقلة من الكفاءات المشهود لها بالقدرة ونظافة الكف لإدارة المرحلة الانتقالية، والتحضير لانتخابات جديدة، على أمل الإتيان بمجلس نيابي جديد، وبطبقة سياسية صالحة على إدارة شؤون البلاد بشفافية بعد أن صنف لبنان في المركز 138 على السلم الدولي للدول الفاسدة.

لا تقتصر مطالب الإنتفاضة منذ الأسبوع الأول على انطلاقتها على الإصلاحات الاقتصادية والمالية ووقف الهدر والفساد بل تعدت ذلك للمطالبة باسقاط كل الطبقة السياسية، وبما يؤشر إلى إنعدام الثقة بشكل كامل بين الحكام والشعب. لقد عمم سوء الإدارة السياسية والاقتصادية للطبقة السياسية الحاكمة عبر ثلاثة عقود، الفقر على جميع اللبنانيين، ولم تسلم منه أية طائفة أو منطقة. وهذا ما يفسر النقمة الشاملة على كل النخب السياسية المتهمة بالفساد وبنهب المال العام، حيث لم تدافع أية طائفة أو مذهب عن أمراء طائفته أو مذهبه. ولقد أدى ذلك إلى خروج كامل على جميع القواعد والخطوط الطائفية التي سيطرت على سلوكية اللبنانيين، ضمن نظام الطوائف القائم منذ مئة عام.

لكن بالرغم من النجاحات الهامة التي حققها زخم الانتفاضة الشعبية فإن الوصول إلى الغايات المنشودة ما زال بعيد المنال، وهو يتطلب المزيد من الحشد والإصرار من قبل مختلف الساحات، وتحصينها من اختراقات الفئات السياسية المعارضة لها، والتي ما زالت تسعى إلى التآمر عليها لاسقاطها، من خلال ممارسة مختلف أنواع الضغوط، بما فيها اتهامها بأنها صنيعة السفارات الغربية التي تموّلها. ولا بدّ في هذا السياق من تذكير قيادات الانتفاضة باستمرار افرقاء سياسيين رئيسيين في السلطة على نسج المؤامرات المتنوعة لفرطها واسقاطها، وأبرزهم التيار الوطني الحر، وحزب الله وحلفائهما في السلطة، في الوقت الذي يبقى فيه القرار النهائي بيد حزب الله.

رفض حزب الله على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله في خطابين متلفزين جميع المطالب التي رفعتها الثورة والداعية إلى استقالة رئيسي الجمهورية والحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة. وبالرغم من تعداده لمجموعة الايجابيات فقد سارع إلى إتهام الانتفاضة بالتآمر على حزب الله وعلى شرعية المقاومة، مع حرصه على التمسك بقواعد وركائز النظام الحالي وعلى اساس أنه يؤمن الضمانة والدرع الواقية لحزب الله وسلاحه وللنفوذ الإيراني في لبنان.

يساند حزب الله في هذا الموقف التيار الوطني الحر وبعض قوى 8 آذار داخلياً، بالإضافة الى الموقف الداعم له والصادر عن المرشد علي خامنئي والذي وصف الانتفاضتين الشعبيتين في لبنان والعراق بالمؤامرة الخارجية ضد محور المقاومة والممانعة وضد الاستقرار والنظام القائم في البلدين.

السؤال المطروح الآن ماذا يمكن لحزب الله أن يفعله لاسقاط الانتفاضة، بعد أن حاول تكراراً فعل ذلك من خلال إرسال محازبيه لضرب وتهديد المتظاهرين في بيروت والنبطية وصور، وشاركه في ذلك محازبون من منظمة أمل. في رأينا هناك ثلاثة خيارات يمكن أن يلجأ إليها حزب الله وحليفه التيار الوطني الحر لاسقاط مطالب الثورة:

الأول، الإصرار على إقناع سعد الحريري بقبول تشكيل حكومة مختلطة من السياسيين والفعاليات المستقلة. لكن يبدو أن هناك صعوبات أمام هذه الصيغة تبدأ من رفض الحريري لها، وتنتهي برفض الثورة والعمل على اسقاطها في الشارع.

الثاني، تسمية رئيس حكومة من المجتمع المدني ومعروف باستقلاليته، ويرضى عنه الحريري، مع العمل على تشكيل حكومة من التكنوقراط والسياسيين المستقلين وتحديد مهمتها الأساسية بالإصلاحات اللازمة لانقاذ الوضعين الإقتصادي والمالي، مع اشتراط عدم التزامها بالمطلب الشعبي لإجراء انتخابات مبكرة.

الثالث، التوافق مع الرئيس عون وأمل والتيار الوطني الحر وبقايا 8 آذار لتشكيل حكومة اللون الواحد التي يسيطر عليها الحزب، والسير قدماً، وبكل الوسائل المتاحة إلى تفكيك الانتفاضة بدءاً من العاصمة وضواحيها. وسيؤدي هذا الخيار إلى نشوء حالة من الفوضى وتهديد الاستقرار العام مع إمكانية الدفع نحو الفتنة والحرب الأهلية.

لا بد أن يدرك الرئيس عون ومعه حزب الله بأن نجاحهم في فرط الإنتفاضة سيتوقف على مدى قدرتهم على تقويض الوئام الوطني العابر للطوائف، حيث أظهر المتظاهرون تمسكهم بشعار تحقيق الإصلاحات الديمقراطية ضمن رسالة واضحة بعيدة تماماً عن الطائفية، وهم عاقدون العزم على سلوك الطريق نحو بناء دولة نظيفة وكفوءة مهما كلفهم ذلك من تضحيات.

في النهاية، لا بد من أن يُدرك أعداء الثورة بأنها باتت محصنة وقادرة على مواجهة مناوراتهم ومؤامراتهم، بعد أن أثبتت بأنها قد تعدّت الهوية الطائفية إلى تشكيل حركة مطلبية جامعة، تسعى إلى إقامة حكم ديمقراطي رشيد.







أخبار ذات صلة

المطران علوان: التحرش الجنسي هو أكثر ما تحاربه الكنيسة
جماعة ​رسالة حياة عن "بث الأفلام الإباحية": ما حصل أنّ [...]
الأناضول: وصول هنية والوفد المرافق له من قطاع غزة إلى [...]