بيروت - لبنان 2020/10/29 م الموافق 1442/03/12 هـ

الجمهورية الثالثة

حجم الخط

أقفل الأسبوع المنصرم على مقاربتين لأزمة لبنان الإقتصادية، قضائية وسياسية، عبّرتا بالشكل والمضمون عن أفول آخر الأدوار للبنان الذي عرفناه. قرار النائب العام المالي علي ابراهيم بوضع إشارة «منع تصرف» على أصول 20 مصرفاً دون الإستناد الى ادّعاء وحجج ومواد قانونية كان الصورة ذات الدلالة على انتماء بعض القضاء للسياسة أكثر من إنتمائه للقضاء.

 لم ينفع قول ابراهيم «أنّ القرار سيحمي أموال المودعين أولاً وسيُحدث هزة كبيرة للمصارف وليعلموا أنهم ليسوا فوق الغربال» في حجب هذا الجنوح. توصيف مدّعي عام التمييز القاضي غسان عويدات قرار ابراهيم بأنّه رسالة سياسية غير محسوبة النتائج لا على مستوى حقوق المودعين ولا على مستوى ثقة الأصدقاء والأشقاء بلبنان، والعبارات التي استخدمها « قررنا تجميد القرار المتّخذ ومفاعيله الى حين درس تأثيره على النقد الوطني وعلى المعاملات المصرفية وعلى أموال المودعين وعلى الأمن الإقتصادي، وإنّ الإستمرار بهذا القرار من شأنه إدخال البلاد والقطاعات النقديّة والمالية والاقتصادية في الفوضى» هي أكثر من مضبطة إتهام واضحة لمن اتّخذ القرار ولكلّ المسوّغات التي ساقها قرار منع التصرف. تجميد القرار لم يعبّر عما تبقى من مِنعة في الجسم القضائي بقدر ما عبّر عن حجم المخاطر المترتبة على ذلك واستحالة ابتزاز النظام المصرفي في القضاء تمهيداً لإسقاطه.

في الحدث السياسي، لم تكن كلمة رئيس الحكومة حسان دياب بعيدة عن مضمون قرار المدّعي العام المالي الذي سبقها بيومين بل كانت الترجمة السياسية له، وربما كان رئيس الحكومة يأمل  تضمين الكلمة تنازلاً معيّناً أو تعهداً من قِبل المصارف لو أمكن إخضاعها بعد قرار المدّعي العام المالي. مقاربة الحكومة لحلّ المسألة الإقتصادية والعناوين العامة التي تضمّنتها، من المفاوضات المنصفة والحسنة النيّة مع الدائنين لهيّكلة الدين وهيّكلة القطاع المصرفي وإصلاح القطاع العام والكهرباء تطرح الكثير من التساؤلات حول مصداقية هذه الاصلاحات بمعزل عن إشراك صندوق النقد الدولي وحول المدى الزمني لإنجازها، لا سيما أنّ الأطراف التي تقف وراء الحكومة هي التي عطلت الإصلاحات المطلوبة في «سيدر». أما القسم الأكثر ضبابيّة في مقاربة رئيس الحكومة فليس في استحالة تطبيق الإصلاحات في حيّز زمني قصير المدى ومُجدٍ بل في  استحالة التمويل في ظلّ امتناع الحكومة عن التواصل مع صندوق النقد الدولي وإحجام الجهات الدولية عن تقديم القروض أو الهبات. 

استحالتان تأخذاننا الى البحث عن المصادر الجديدة لتمويل الإقتصاد القادرة على التناغم مع قطع العلاقات مع صندوق النقد الدولي والإصرار على إعادة هيّكلة القطاع المصرفي الذي تقول الحكومة أنه يتجاوز بأربع مرات حجم الاقتصاد. فما هي القطاعات الاقتصادية البديلة المفترضة في دولة ترتفع فيها كلفة الإنتاج بسبب الفساد في قطاع الطاقة وتسيّب الحدود أمام  كافة أنواع التهريب وعدم القدرة على حماية الإنتاج الوطني الزراعي والصناعي، وما هي الوظيفة الإقتصادية الجديدة للبنان؟

لقد شكّل القطاع المصرفي، الذي وضعت عدالة المدعي العام المالي عليه إشارة «منع التصرف»، العمق العربي والدولي الوحيد المتبقي من لبنان الذي نعرفه، بعد أن حجبت الوصاية السورية وبعدها الإيرانية - بمرور الزمن وتبادل الأدوار - كل وظائف لبنان بأبعادها الوطنية والثقافية. ذهبت الوصايات بلبنان كمنصّة للحرية والعمل السياسي والنقابي والنضالي وصادرت دوره كمنصّة للعمل العروبي وألحقته بشكل تدريجي بنماذج متوترة تعبّر عن نفسها تارةً بخطاب أقلّوي وتارةً أخرى بخطابٍ مذهبي متشنج. 

إنّ مرتكزات الاقتصاد البديل الذي ربما تطمح الحكومة ومن خلفها حزب الله لتحقيقه في لبنان لا يمكن أن تخرج عن  المسلّمات المعتمدة في إقتصادات دول محور بيروت - طهران المطوّقة دولياً ومالياً. فهل ترشّح الحكومة لبنان لدور تكاملي مع تلك الاقتصادات وهل توكل لمرافىء لبنان مهمة فكّ الطوق عن مرافىء سوريا والعراق وإيران، وما هي تكاليف هذا الخيار؟ وفي النهاية هل أخفقت سياسة تحويل لبنان الى مادة ابتزاز للمجتمع الدولي فاقتضى الموقف رفع درجة المخاطرة تحت عنوان «إنّ إسقاط إيران مستحيل دون إسقاط لبنان» تمهيداً لإعلان الجمهورية الثالثة.

مدير المنتدى الاقليمي للاستشارات والدراسات



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 29-10-2020
وسام الأرز الوطني للبروفسور ناجي الصغير
29-10-2020