بيروت - لبنان 2020/01/21 م الموافق 1441/05/25 هـ

الحقيقة... لا أعرف

حجم الخط

لا أعرف كيف أحدد تداعيات الأزمة اللبنانية وتراكماتها، ولا اعرف كيف ارتب أولوياتها، ولا اعرف كيف احدد تطوراتها الأمنية بعد عمليات الفوضى المتنقلة واستحضار الذاكرة الأمنية الأليمة، ولا اعرف كيف اتعامل مع موجات الانتحار الفردية الاخيرة والتي تعبر عن مرتبة عالية من اليأس لدى شريحة كبيرة من الشباب الى حد التخلص من الحياة، ولا اعرف ما هو الفرق بين المنتحر والانتحاري من حيث الدوافع والغايات، ولا اعرف اذا كانت موجة المنتحرين ستتحول في الايام والأسابيع المقبلة الى موجة من الانتحاريين.

 لا اعرف كيف احدد حجم التصدعات السياسية التي اصابت مكونات السلطة، ولا اعرف مدى تقبلها للخسائر التي لحقت بها، ولا اعرف مدى قدرتها على استعادة ما فقدته ولا اعرف مدى قدرة هذه المكونات على اعادة تكوين سلطة جديدة وصناعة الانتظام العام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ولا اعرف مدى جدية القوى الدولية والاقليمية في وضع حد للإنهيارات المتنوعة والمتلاحقة، ولا اعرف ما الذي يميز اللبنانيين عن السوريين والعراقيين واليمنيين والليبيين والفلسطينيين الغارقين في الفوضى والعنف والاغتصاب السياسي.

لا اعرف اذا كان شعار استرداد الأموال المنهوبة يتقدم على شعار استرداد الأرواح والكرامات المنهوبة على مدى عشرات السنين، ولا اعرف اذا كان شعار مكافحة الإثراء غير المشروع يتقدّم على شعار مكافحة الطموحات غير المشروعة السياسية والإدارية والأمنية والاقتصادية والتي تسببت بكل ما نشهده الان من انهيارات، ولا اعرف اذا كنا نمتلك حق محاكمة الاخرين قبل المراجعة الشخصية الدقيقة ومحاكمة الذات على الصمت الطويل (الساكت عن الحق شيطان اخرس)، ولا اعرف كيف أميز تجليات الثورة الحقيقية عن العمليات الثائرية بين من فشل في الوصول الى السلطة ومن نجح في الوصول اليها.

لا اعرف اذا كان الاشقاء يعرفون بأننا سياديون حتى النخاع ونحب وطننا لبنان ونختزن في أعماقنا الكثير من الجراح العميقة نتيجة الوصايات المتنوعة على مدى عقود طوال، ولا اعرف اذا كانوا يعرفون باننا نخجل من أنفسنا عندما نتذكر تلك الايام والتي كانت اشد مرارة من سفاح القربى واغتصاب إرادات بعضنا البعض، ولا اعرف لماذا لم نتجرأ على توثيق تلك الذكريات الشديدة المرارة والحديث عنها بصراحة وعن ما تعرضنا له على أيدي الأهل والإخوة والأبوات والرفاق والباشوات والحجاج من دون ان ننسى اغتصابات الأعداء والاصدقاء، ولا اعرف لماذا يصر الاعلام هذه الايام على التجريح بالفقراء واستدعاء الوصايات الغذائية المذلة من اجل تجديد الاستعطاء وتسهيل الاغتصابات الشخصية والاجتماعية والسياسية، ولا اعرف لماذا تشوه صورة الأجيال الشابة والطموحة والحالمة بوطن يليق بالانسان والتي ملأت الساحات على مدى أسابيع طوال.

لا اعرف ما هو مصير لبنان في الايام والأسابيع القادمة مع المناورات الحربية البحرية في شرق المتوسط للجيوش العربية والاقليمية والدولية، ولا اعرف ما علاقة ذلك بالبلوك رقم ٩ واختراق سفينة نفطية تعمل لمصلحة اسرائيل المياه اللبنانية، ولا اعرف ما اذا كان لبنان سيدخل في حرب مائية مع اسرائيل، ولا اعرف كيف ستقارب السلطة اللبنانية هذه القضية مع الموفد الاميركي ديفيد هيل لجهة ترسيم الحدود، ولا اعرف كيف سيحدد لبنان موقعه من نزاعات وتحالفات شرق المتوسط النفطية السياسية والعسكرية والاقتصادية، ولا اعرف اذا كنا بعد ذلك الفشل الطويل قادرين الان على النجاح في تحقيق ذلك الحلم المستحيل وهو فصل ما يجري في لبنان عن ما يجري في العراق وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين، والحقيقة... لا أعرف.
 



أخبار ذات صلة

سكاي نيوز: المتظاهرون يهددون بتصعيد حراكهم في الشارع في حال [...]
مراسلة mtv من وسط بيروت: مجموعات من المتظاهرين بدأت تصل [...]
معلومات موقع mtv: الدروز سيتمثلون بـ 4 حقائب وهي السياحة [...]