بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

الخيط الدقيق

حجم الخط

تحوّل الصرح البطريركي في الديمان إلى مركز الثقل الوطني بعد موقف البطريرك بشارة الراعي الثابت من مسألة حياد لبنان، والذي حصّنه بإلتزام الطائف وعروبة لبنان والإجماع العربي والإبتعاد عن المحاور الإقليمية. مسألة الحياد المطروحة بنسختها الحالية تتمايز من حيث المفهوم والتوقيت عن كل النسخ السابقة، التي شكّلت جذور الخلافات السياسية بين اللبنانيين ولازمت سياقاتها منذ الإستقلال وحتى اليوم، وعبّرت عنها في حينه محاولات الإلتحاق والإحتماء بالخارج في الأعوام 1958، 1975 و 1982 . 

الحياد الذي تطرحه بكركي اليوم يأتي كذلك بعد تجربة فاشلة من تجارب الإحتماء بالخارج بوجه الشركاء في الوطن. أجل البطريركية المارونية إستشعرت وإن متأخرة خطورة الإحتماء بالجمهورية الإسلامية في إيران، على الرغم إنه أوصل إلى سدّة الرئاسة بقوة الأمر الواقع من إعتبره المسيحيون أنه قد يملأ فراغاً مزمناً أو يعوّض غياباً لشخصيات مسيحية وازنة. 

فداحة تجربة الإحتماء المعاصرة أخذت المسيحيين ليس الى صدام مع أقرانهم في الوطن، بل مع كلّ مسيحيي الشرق. وإذا كانت حجة المسيحيين في السابق أنهم يتوسلون الأمان وسط محيط متمايز، عن طريق التماهي مع حضارة غربية مهدها الكنيسة الكاثوليكية، فكيف يمكن أن يقنعوا ويقتنعوا أنهم يبحثون اليوم عن الأمان في اغترابهم التام عن محيطهم وتاريخهم ودورهم. إنّ إعادة الحياة لمسألة الحياد يؤكّد إصرارالكنيسة وحقها في إعادة النظر وتصحيح مسار المؤسسة السياسية المارونية، وعدم حماية خياراتها التي تعرّض مستقبل المسيحيين ودورهم للخطر. 

يلاقي حياد لبنان الذي يطرحه البطريرك بشارة الراعي من حيث المفهوم نداء البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1997، خلال زيارته الى لبنان، حيث أعلن الإرشاد الرسولي حينها «أنّ الكنيسة الكاثوليكية تريد الإنفتاح على الحوار والتعاون مع مسلمي البلدان العربية، ولبنان جزء لا يتجزأ منها، وفي الواقع أنّ مصيراً واحداً يربط المسيحيين والمسلمين في لبنان وسائر بلدان المنطقة». كما يلاقي موقفه من القضية الفلسطينية الملتزم بالإجماع العربي موقف الكنيسة القبطيّة التي تعتبر المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين عربية. الحياد بنسخته الحالية يختلف إختلافاً جذرياً عن كلّ دعوات الحياد التي سبق للتيارات السياسية المسيحية أن حملتها، والتي كانت تذهب الى الإنفصال عن الصراع العربي الإسرائيلي والإصرار على الكيانية اللبنانية الضيقة المتمايزة بجذورها الثقافية والإجتماعية، والملتبسة لجهة الموقف من العدو الإسرائيلي.

إنّ محاولات إعادة موضوع الحياد الى المربّع المعتاد لن تنجح بمنعه من التفاعل ، لأنّ الموقف من العدو الإسرائيلي في متنه لا لبس فيه، كما إنّ التوافق الوطني عليه يكرّسه إلتزام الدستور وميثاق جامعة الدول العربية. الإستحالات التي أطلقها الوزير جبران باسيل لتطبيق الحياد من توافق الداخلي ، وتأمين مظّلة دولية ورعاية خارجية، وإعتراف الدول المجاورة بحيادنا، وسحب عناصر التفجير وعلى رأسها إحتلال إسرائيل للأرض والإرهاب المنظّم من الخارج وترسيم الحدود وإعادة النازحين السوريين وعودة اللاجئين الفلسطينيين، تشبه إطلاق نار في الهواء لإخفاء الإفلاسومحاولة لتبرئة الذات أمام حزب الله.

يتحوّل موقف البطريركية شيئاً فشيئاً الى كرة ثلج سياسية، وهي قد نجحت في ربط مسألة الحياد بالأزمة الإقتصادية وحالة العزلة العربية والدولية التي يعيشها لبنان، لذلك يتزايد بشكل مضطرد الإلتفاف الوطني حولها. مواقف البطريرك الراعي تلقفها راعي أبرشية صيدا ودير القمر للموارنة المطران مارون العمار، الذي أعلن خلال لقائه رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط في دار المختارة وبحضور نواب المنطقة «لا أحد يستطيع أخذ لبنان الى غير رسالته وهويته منذ مئات السنين وحتى الآن . ... ننادي مع البطريرك بالحياد لنقول أنّ لكل واحد منّا الحق بالعيش في وطن حرّ ومستقل وفي حضارة أهله وأبنائه». 

التحوّل السياسي لاقته قوى المجتمع المدني بدورها. لقد قدّم إطلاق «الجبهة المدنيّة الوطنية «الأسبوع المنصرم، بحضور ناشطين من الوسط الأكاديمي والنقابي والإعلامي وعسكريين وسفراء وقضاة وممثلين عن أكثر من أربعين مجموعة من ثوار 17 تشرين من الشمال والجنوب والبقاع وبيروت، مشهداً لافتاً في مسار الثورة. إعلان الجبهة إلتزام الدستور وسيادة لبنان التامة وحياده عن المحاور الإقليمية في أولويّة ثوابتها شكّل بدوره تطوراً فيالمنحى السيادي الذي أنضجته تجربة الثورة ومعاناتها، وهو يبدو عصيّاً على الإحتواء ويمتلك القدرة على بناء وعي ورأي عام واعد بالرغم من الغوغائية التي قد تُعتمد للحدّ من ثباته وإنتشاره.

إنّ تغييب الموضوعية في التعاطي مع موضوع الحياد كأساس لبناء الديمقراطية وتحقيق دولة المؤسسات والقانون ليس المؤشر الأول على حالة الإنفصال عن الواقع التي تعيشها منظومة السلطة وحكومتها الفاقدة للمبادرة كما وإنّ إصرار رئيس الحكومة على التمسّك بموقعه وعدم الإستقالة بالرغم من الفشل المتمادي في كل المجالات لا يمكن أن يغيّر شيئاً من المشهد، فاستمرار التقهقر أصبح سِمة مرافقة لمنظومة السلطة أشخاصاً ومؤسسات وأصبح معه الخروج الطوعي من الحكم مطلوباً من قُبيل المحافظة على الكرامات الشخصية ليس إلا. 

إنّ من يعتقد أن تعنّته سيحجز له صفحة ناصعة في تاريخ لبنان ، يجب أن يعلم أنه أُخرج من حاضر لبنان ولن يكون جزءاً من مستقبله، وأن الدولة التي انزلقت تدريجياً وتحوّلت الى هياكل فارغة لم تعد بمتناول حكامها ويتعذّر استعادتها. فما بين السقوط المدوي وعدم الأهلية لقراءة الواقع خيط دقيق، يتعذّر غالباً على حكّام الصدفة وعبيد السلطة اكتشافه.

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات

Twitter: @KMHamade

khaledhamade@rfcs-lb.org



أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى