بيروت - لبنان 2019/08/24 م الموافق 1440/12/22 هـ

الضياع السياسي في الوقت الضائع

حجم الخط

تشهد المنطقة ومعها لبنان تطورات غاية في الدقة والخطورة يصعب تحديد اتجاهاتها والمسارات التي ستسلكها، أزمات المنطقة المتمثلة بالنزاعات الداخلية والإقليمية المتفجرة والتقابلات الدولية الملتبسة، مع ما تحمله هذه التحولات من مخاطر كبيرة ستتغير معها السياسات والاصطفافات والمنطلقات والأهداف والأولويات، ويستشعر اللبنانيون جميعا وبدون استثناء مخاطر هذه المرحلة مع عدم القدرة على معرفة مصير لبنان.

عرف لبنان مرات عديدة مثل هذه التحولات التي غيّرت قواعد الانتظام والاصطفافات منذ الاستقلال 1943 عن فرنسا  وفي أوج الحرب العالمية الثانية وشهد لبنان مرحلة التحول الاولى مع نكبة حرب فلسطين العام 1948 واستضافة اللاجئين الفلسطينيين، ثم شهد لبنان تحولات ما بعد نشوء حلف بغداد في العام 55 وقيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا، ودخول لبنان في نزاع اهلي مسلح في العام 58 والذي ادى الى اول انتشار عسكري اميركي في تاريخ المنطقة والذي بلغ عديده احد عشر الف جندي اميركي.

شهد لبنان ايضا تحولات ما بعد حرب الخامس من حزيران 1967 بين العرب واسرائيل ونتائجها الكارثية وتحويل لبنان الى دولة النزاع الوحيدة عبر اتفاق القاهرة في العام 69 واستخدام الاراضي اللبنانية في عملية الكفاح المسلح الفلسطيني،  والذي احدث الشرخ الكبير داخل البنية الاجتماعية والسياسية والوطنية اللبنانية وما نتج عنه من قتل ودمار وتهجير ودخول القوات السورية  وصولا الى الاجتياح الاسرائيلي 82 واحتلال العاصمة بيروت.

جاءت عملية اسقاط اتفاق 17 أيار مع اسرائيل عام 84 بمثابة اعادة تجديد النزاع مع الاحتلال الاسرائيلي والسبب المباشر لحضور  ايران الى لبنان، بالاضافة الى تحولات عاصفة الصحراء  في الكويت  العام 91، والتجديد  الاميركي للوصاية السورية وانتخابات 92، وحرب عناقيد الغضب 96، ثم انسحاب اسرائيل من لبنان في 25 أيار 2000، ثم كانت  تفجيرات القاعدة في نيويورك في 11 أيلول 2001، واحتلال أفغانستان والعراق في 2003،  وتأثير ذلك على لبنان من اغتيالات وتصدعات وحروب وغزوات وخروج السوريين من لبنان.

إن فقدان الذاكرة السياسية اصبح ميزة لبنانية شائعة لكثرة التقلبات العامة والشخصية التي شهدها اللبنانيون خلال العقود الماضية، والغريب هذه الأيام ان عملية النسيان باتت تطال الأحداث والتطورات القريبة جدا، وأصبحت مواقف السياسيين اللبنانيين تتغير بين الصباح والمساء نتيجة سرعة التطورات واتساعها، واصبح الجميع يعيشون حالة من الضياع التام بين الحرب واللاحرب، وضبابية التصريحات الدولية والإقليمية والزيارات والواسطات بالاضافة الى الرغبات التي تتحول الى معلومات، وذلك الضياع هو نتيجة التشتت السياسي والاجتماعي لدى مكونات السلطة القديمة والمستجدة وانعدام الرؤية الوطنية الجامعة ورغبة كل فريق في الخلاص من الاخرين.

لا أعرف كيف سيكون الوضع في لبنان والمنطقة بين ساعة وأخرى، لان التطورات متحركة بسرعة غير مسبوقة ولبنان سيتأثر بنتائجها على كافة المستويات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والحدودية، ولا احد يستطيع الحفاظ على مواقعه ومكتسباته وتطلعاته، ويحاول الجميع الدخول في عملية مراهنات واصبح معظم السياسيين اشبه بالمنجمات والمنجمين، وفي الايام القادمة سيزداد معدل الهذيان والتوهان والتوهم والادعاء لأن لبنان بات يعيش في حالة من الضياع السياسي  في الوقت الضائع.



ahmadghoz@hotmail.com





أخبار ذات صلة

الرئيس عون يُرحّب بالوزير التركي أوغلو في قصر بيت الدين (أمس) (تصوير: دالاتي ونهرا)
مصرف لبنان قادر على إستيعاب صدمة تراجع التصنيف
أوجاع التحول من الفوضى إلى الانتظام
مركبة عسكرية تركية في محيط بلدة معار حطاط بمحافظة إدلب (ا.ف.ب)
قوات النظام تتقدم في أرياف حماة وإدلب وتحاصر نقاطاً تركية [...]