بيروت - لبنان 2021/04/20 م الموافق 1442/09/08 هـ

المال والدولار

حجم الخط

تغيرات كبيرة تحصل في أميركا بعد ذهاب ترامب وبدء حكم الديموقراطيين عبر السلطتين التنفيذية والتشريعية. لا شك أن هذا التغيير سينعكس على دور الولايات المتحدة في العالم وعلى السياسات الداخلية خاصة الاقتصادية، وبالتالي على سعر صرف الدولار في الأسواق العالمية.  بما أن معظم النقد في الدول العربية مرتبط بالدولار، فما يحصل في أميركا على هذا الصعيد يهم جدا المصارف المركزية الاقليمية وفي مقدمها مصارف دول مجلس التعاون الخليجي ولبنان. ما هو دور أميركا العالمي اليوم؟  علما أن التغييرات بدأت تظهر بوضوح من «أميركا أولا» الى «عودة أميركا» الى الساحة الدولية. لذا تنتقل أميركا من القوة المفروضة على الجميع عبر الترهيب والترغيب التي مارسها ترامب، الى القوة الناعمة أو الهادئة مع بايدن أي عبر الاقناع والاجتذاب. طريقة بايدن تتطلب الوقت الأطول والجهد الأكبر، لكنها تنجح أكثر على المدى الطويل لأنها تحترم مشاعر الآخرين وتجعلهم طوعا ينفذون ما تريده أميركا. هي سياسة أذكى وأفعل ولها تأثير ايجابي أطول.

يقول الخبير «جوزيف ناي» أن قوة أميركا ستستمر عبر الديبلوماسية والتعاون. الخطر الأكبر على أميركا هو أميركا نفسها، بسبب السياسات الخاطئة وعدم قدرة المؤسسات على العمل الفاعل في الداخل. ما حصل في 6/1/2021 من هجوم على الكونغرس مخيف ليس فقط سياسيا وانما أخلاقيا ويناقض المبادئ الرئيسية التي بنيت عليها أميركا منذ سنة 1776. هل كل ما حصل بدأ من سنة 2016 يشير الى انهيار أميركا وسقوط دورها العالمي؟  قوة أميركا لها جوانب أربعة مختلفة ومتكاملة، أي اقتصادية وديموغرافية وجغرافية وعسكرية. لا يشير أي من الجوانب الأربعة السابقة الى ضعف كبير حاصل أو قادم بالاضافة الى أن التكامل مستمر علنا. الشعور العالمي بضعف أميركا لا يعود الى المؤشرات المتوافرة، بل الى الضعف النسبي للاقتصاد الأميركي. منذ عقود كانت أميركا وحدها في الساحة، أما اليوم فهنالك منافسة قوية من الصين والهند ودول الوحدة الأوروبية وغيرها. هذه الدول أصبحت أقوى، لكن ليس بالجوانب الأربعة مجتمعة وبالتالي من المتوقع أن تبقى أميركا القوة الأولى لسنوات طويلة قادمة.

قوة أميركا الأساسية هي المالية التي عبرها تستطيع أن تنشئ الجيش القوي والدولة الاجتماعية والنفوذ السياسي والقدرة على استقبال المهاجرين من دول أميركا اللاتينية وغيرها. أهمية القوة المالية أنها أيضا قوة تكنولوجية تستوعب كل التطورات والاكتشافات لتطوير الانتاجية والفعالية. التكنولوجيا المالية تربط الماضي بالحاضر والمستقبل، كما تربط كل أطراف المجتمعات أيا كان موقعهم أو أعمارهم وبالتالي تساهم في رفع مستوى النمو الاقتصادي. العقود المالية الجديدة مدهشة في دقتها وعمقها، حيث أن عقدا واحدا يمكن أن يأخذ أكثر من 900 صفحة من التفسيرات والضمانات والاحتمالات الممكنة.

لأن القوة تنبع من المال، فلا بد من وضع قوانين تبقي هذه القوة ضمن حدود السلامة منعا للانفجار الاجتماعي.  تحصل الأزمات المالية بسبب فلتان المال، وهذا تحديدا ما حصل في 2008 حيث فجرت العقود الخطرة سلامة الأسواق والمؤسسات وأوقعت الجميع في الخراب.  أتت الكورونا لتضيف الى المشاكل المالية وتصيب المجتمعات في واقعها ومستقبلها.  سمح التطور المالي للمجتمعات بتطوير المعرفة عبر الاستثمارات في البحوث والتطوير والآليات والحواسب، وبالتالي تغيرت الثقافات والعلاقات الاجتماعية.  سمحت القوة المالية أيضا بتغيير طرق التفكير والتحليل بحيث يصل الانسان بسرعة أكبر الى أهدافه المتغيرة هي بدورها.

لا شك أن للقوة المالية أعداء ظهر تحركهم في الشارع الأميركي والعالمي ونذكر منها حركة «احتلال وول ستريت» في سنة 2011 وحركة «تحطيم المصارف»  في سنة 2016 لأن النتائج في المجتمعات لم تكن فاضلة وبالتالي خسر الجميع من التهور المالي ومن سوء ادارة المؤسسات المالية والمصارف تحديدا.  هنالك حركة مالية ذكية تقوم على بناء الشركات الجديدة الصغيرة والمتوسطة عبر طرق حديثة للتمويل والاستثمار.  استفادت هذه الحركة من التطورات المهمة التي حصلت في التكنولوجيا والحواسب وعلوم الرياضيات والاحصائيات.  هنالك أيضا أدوات مالية جديدة خطرة أدهشت العالم وما زالت كالبيتكوين التي تلفت نظر المستثمرين والمغامرين تحديدا.  سمح تطور السلطة المالية بأدواتها وقوانينها للجميع بالمشاركة أيا كان موقعهم وأيا كانت قوتهم المالية وثرواتهم.  دخول الجميع الى أسواق المال كان مفيدا لكنه خطر لمن يغامر أو يجهل قواعد السوق، وبالتالي تحققت بعض الخسارات الكبيرة لمن تهور خاصة صغار المستثمرين أو الطبقات الوسطى.

في وسط السلطة المالية العالمية يقع المصرف المركزي الأميركي الذي يؤثر كثيرا على التضخم والبطالة والنمو وكذلك على الاستقرار الاقتصادي العالمي.  عبر السياسة النقدية، أي خاصة تحريك الفوائد القصيرة الأجل كما عبر التمويل الاستثنائي للمصارف، يؤثر المركزي على الأوضاع الداخلية وخاصة على الدولار وقوته.  هنالك دور أساسي للمركزي في الاجراءات والرقابة على المؤسسات المرتبطة به خاصة المصارف، والهدف منها ابقاء النظام صحي وسليم وفاعل.  خطورة الأزمة المصرفية انها تنبع من ضعف الثقة، وبالتالي تنتقل بسرعة بين المؤسسات وتؤثر على سلامة جميع الأسواق.  ثقة المودعين هي ركيزة أي نظام مصرفي وأي ضعف لها يصعب تصحيحه، وبالتالي الرقابة المسبقة هي في غاية الأهمية.  ضعف الثقة أو غيابها يؤثران على سلامة القطاع المصرفي وبالتالي يمكن للافلاسات أن تحصل بسرعة.  الذعر أو الرعب من سلامة المصارف يضرب القطاع، وهنا تكمن أهمية الهيكلية المصرفية أي التجانس بين الأصول والديون في القيمة والآجال خاصة.

في الولايات المتحدة نفذت خطوتان مهمتان هدفتا الى تجنب حصول كوارث مصرفية مستقبلية كما حصل في 2008.  أولا تطور نظام ضمانات الودائع بحيث اطمأن المواطن أكثر الى سلامة أمواله.  ثانيا، تم اصدار قانون «دودد / فرانك» في 2010 لهدف السلامة.  وحد القانون الرقابة المالية عبر مجلس متخصص بحيث أصبح ممكنا رقابة الأسواق والشركات بشكل متكامل أيا كان حجمها.  يمكن للمجلس الرقابي الجديد فرض اجراءات السلامة على جميع المشاركين في الأسواق المالية للتأكد من الأوضاع.  هل تضمن كل هذه الاجراءات أن الأزمات المالية لن تحصل مستقبلا؟  طبعا لا، فالأزمات يمكن أن تحصل بالخطورة نفسها وربما أقوى مع التطورات التكنولوجية في الأدوات والقوانين والحواسب.  كل ما تفعله القوانين هو التخفيف من امكانية حصول أزمات، وان حصلت يمكن أن تكون أقل قوة وضررا على المواطن العالمي.  جميع ما سبق يطمئن من ناحية الدولار كنقد عالمي قوي جاذب لثقة المواطن، دون أن نهمل أهمية التنويع في العملات والاستثمارات.


أخبار ذات صلة

علميا.. ماذا تعني زيادة تخصيب إيران لليورانيوم إلى 60%؟
بايدن يفاجئ أنصاره وخصومه معا
أفغانستان في مواجهة المجهول