بيروت - لبنان 2021/04/20 م الموافق 1442/09/08 هـ

بأية حال وأحوال، عادت إلينا الأعياد؟

حجم الخط

الأعياد... تتكشف وتتكاثف في هذه الأيام مقتحمة لبنان الغاطس كلّيا في مآسيه ومتاعبه، وأكثر ما تتداوله ألسن الناس وتصغي إليه آذانهم، ذلك القول المأثور: عيد... بأية حال عدت يا عيد؟!

أما وقد مرّت مرحلة بعض الأعياد المسيحية متجاوزة، حتى الآن، مخاطر التفلّت الأمني الشامل الذي تفرضه نوعية الأحداث الرهيبة التي طاولتنا مآسيها القاتلة، خاصة بعد أن طاولت أجزاء أساسية في بيروت، فشرّدت آلافها المؤلّفة، وحرَمتّ من بقي منهم على قيد الحياة، من منازل تؤويهم ومشاغل تؤمن لهم سبل العيش الكريم واللقمة المتيسرة التي تحفظ لهم حياتهم وكرامتهم وتقيهم من سبل العوز، ومدّ اليد إلى يسير من حافظ من إخوتهم في الوطن على مالٍ سبق أن تحسّبوا إلى سوء أوضاع المصارف اللبنانية فحفظوه لأيامهم السوداء في الخارج، بينما عددٌ كبير من الميسورين، أطبقت مصارف هذه البلاد على ودائعهم وجنى عمرهم، فتماثلوا في حياتهم مع أهل العوز وطلب اللقمة الضائعة، وباتوا بين أهل الصراخ والإحتجاج والظلم الذين انضموا إلى وضعية «جهنم» التي بشّرهم بها فخامة الرئيس، فباتت رمزا للأوضاع الإقتصادية والمالية التي طغت على هذه البلاد المنكوبة في عهد سبق أن بشرّ الناس عند قدومه، بتصحيح أية أوضاع سيئة قائمة، وبتحسين الأوضاع والدفع بها إلى أيام تنسجم مع إمكانات ونوايا «العهد القوي» المفترضة، فكانت النتيجة خالية من الإيجابيات الملموسة، رغم كل التصاريح الخاوية من أية نتائج معبرة. 

وتكرج إلى الوجود المتتالي، أعياد ومناسبات دينية، لطالما سادت أجواءها في سالف الأيام، أضواء العيد وفوانيسه التي كانت تزين لياليه، وتبعث الفرحة العارمة في حياة أطفاله، وتحفل بالمناسبات الإحتفالية في أمسياته ومناسباته... هذه كلها اختفت من الوجود، وشارك في زوالها سوء الطالع وقسوة المستجدات المتمثلة بجائحة الكورونا، مشفوعة بأوضاع اقتصادية ومالية وحياتية وأوضاع إجتماعية شديدة الانهيار والتراجع، دفعت باللبنانيين عموما، وخاصة في بعض أوساط الأخوة المسيحيين إلى هجرة غير مسبوقة بتعدادها وبأفواجها النوعية من كبار المثقفين وأصحاب المهن المتميزة (أطباء، مهندسون، قضاة مهنيون واختصاصيون في حقول السياحة والصناعة والمصارف ورجال الأعمال، باختصار: نخبة أبناء هذه البلاد التي مكنها تخصصها المرغوب والمطلوب في العالم بأسره، من الانتقال إلى مواقعها الجديدة المتلهفة إلى أمثال هؤلاء المتفوقين). دون أن ننسى، ألوف الشبان، خاصة من خريجي الجامعات الذين مكنتهم أيام العزّ التي سبق أن مرّت على لبنان، من تحقيق تحصيل علمي جامعي، لم توفر لهم ظروف هذه البلاد القاسية من إيجاد فرصٍ للعمل في ميادينه، فاضطروا في إطار ظروف أوضاعهم المادية الصعبة إلى الانكفاء حيث هم ممنوعون قسريا من السفر وفتح أبوابٍ ولو متواضعة للعمل والعيش الكريم. 

ونأتي إلى شهر رمضان المبارك، بكل آفاقه الدينية والإيمانية وموائده الرمضانية في المنازل واحتفالاته التي كانت وسط مناهل التعبّد والتقرّب إلى الله عز وجل وعمل الخير لمن استطاع إليه سبيلا، والتواد والتراحم والتلاحم في هذا الشهر الفضيل الذي يترقبه المسلمون في العالم الإسلامي بأسره، ليؤدوا كل الفرائض التي اعتادوا عليها وليعوضوا عن كلّ ما دفعت به الايام والمشاغل الطاغية إلى الانقطاع عن أدائه. 

وبعد، ستنتهي فترة الأعياد جميعها، وسنعود بكل جهاتنا وفئاتنا بعيدا عن ذكرياتها وما كان لها من عزٍّ واعتزاز، وسننطلق مجددا إلى محاولات الخروج من أجواء «جهنّم» ومسبباتها وتوابعها، علّنا بعد هذه الأسابيع الصعبة المقبلة، ننجح بجهود المخلصين ومساعي من تبقّى من قادتنا ومسؤولينا الذين لبثوا على تمسّكهم بجملة من المطالب التي تصبُّ في إطار المصلحة العامة ولكن... كل الظواهر تدلُّ حتى الآن، على أنّ البدايات المطلوبة للحل والمتمثلة بحكومة جديدة تتوفر فيها شروط الإصلاح المقبل بالحاح من جميع المراجع والمواقع الدولية والعربية التي تصرّ، ويصر معها المخلصون من أبناء هذا البلد المنكوب، على أن تتوفر ولو بحدّها الأدنى بما يُمكّن من إعادة الثقة بهذه البلاد وسلامة أسسها وقدرتها على القيام بما هو مطلوب منها لتجليس الأوضاع والارتفاع بها إلى وضع يجنّبها أخطار البلاء والفناء التي تُجمع الأوساط الدولية والعربية على التحذير من مخاطرها الداهمة، حيث أن الظروف المأساوية التي تمر بها قد أثبتت أن لبنان يبقى ذلك البلد الذي لا يهون على كثيرين وأن الرغبة في استنهاض أوضاعه، تبقى صادقة وحقيقية مهما داخلتها مصالح تلك البلاد الذاتية المتمثلة في بعض الاستثمارات التي تواكبها بانظارها وتطلعاتها.

ونتساءل: هل تعيدنا الأوضاع الطبيعية بإصلاحاتها المطلوبة إلى أجواء الأعياد؟

الظروف الداخلية والخارجية، تبقى قاسية وصعبة، يحيط بها سيلٍ من المناورات والمؤامرات، وإلى أن تطل علينا بوادر المعجزات المرتقبة، سنبقى نردد: عيد بأية حال عدت يا عيد، فكيف بنا إذا كنا أمام جملة من الأعياد المتلاحقة، والمآسي الأكثر تلاحقا.



daouknet@idm.net.lb









أخبار ذات صلة

علميا.. ماذا تعني زيادة تخصيب إيران لليورانيوم إلى 60%؟
بايدن يفاجئ أنصاره وخصومه معا
أفغانستان في مواجهة المجهول