بيروت - لبنان 2018/08/17 م الموافق 1439/12/04 هـ

ترامب، شريك نتنياهو في ابتلاع ما تبقى من فلسطين

حجم الخط

أما وقد وصلت السكّين إلى أعناق العرب جميعا، بدءا بما كان يسمّى «القضية الأم». ولمّا كانت ذكرى النكبة الفلسطينية قد أقبلت علينا منذ يومين بوجهها القبيح، وآثارها المأساوية، فأطلت على الشعب الفلسطيني أولاً، وعلى عموم الدول العربية ثانياً، وكلا الفريقين ما زال يعاني منذ سبعين عاما، هي عمر ذلك الظلم الفادح الذي هجّر شعباً بأسره فتبعثرت مأساته في الجوار العربي وفي شتات العالم القريب والبعيد، وما زالت معاناة هذا الشعب المنكوب مستمرة تتخذ مع الوقت أشكالا متفاقمة ذات أفق مظلم. بدأت القضية الفلسطينية في أحضان العروبة ورعايتها الفاشلة وفي إطارات الدّعم العربي بشقيه الشعبي والرسمي، كانت فلسطين همّا عربيا وجدانيا وكان بن غوريون والزعماء اليهود الذين نشأت إسرائيل على أيديهم يؤكدون أن أهل هذه القضية سينسونها مع تعاقب الأجيال وسط سعي دولي مؤقت إلى حصر الدياسبورا الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المنكوبة وتهرّبت معظم شعوب العالم من تأمين أرض لها، وتنصلت من استهدافات يهودية تهرّباً من خبث الصهيونية وطموحاتها الإستيطانية، ومع الأسف تم التركيز على فلسطين، فكانت الضحية ذلك الوطن وذلك الشعب، وما زلنا حتى الآن نعاني في العالم العربي من، الأخطبوط الذي انطلق منذ العام 1967 وطرد الفلسطينيين من أرضهم ووطنهم بمباركة أميركية وأوروبية كاسحة واستعمل في ذلك شتى أنواع الترهيب والإجرام مطلقا العنان لعصاباته المسلّحة في ارتكاب المجازر واقتلاع السكان الوادعين من بيوتهم وحقولهم ووسائل العيش الكريم التي كانت تؤمن لهم رزقا حلالا وحياة تملؤها روح القداسة التي تعم بلادهم من خلال مئات المواقع الدينية وفي طليعتها القدس ومسجدها الأقصى وكنيسة القيامة، وعشرات المواقع المقدسة دينيا، والتراثية حضاريا، وها هي المؤامرة الأميركية بالتحديد، تحطّ رحالها في القدس بالذات حيث نقلت إليها بصورة مفاجئة، سفارة عجّت بتوجهات ترامب وملحقاته من اليهود الأميركيين المتطرفين واليمين الأميركي الأكثر تطرفا، فإذا بنا اليوم أمام رئيس أميركي ينتفض على فلسطين وقدسها ومقدساتها، ويطلق نفسه وإمكاناته وإمكانات بلاده بما أسماه «إنجاز العصر»، وما رشح إلى الجميع من هذا المشروع «الإنجازي» يتمثل في تسليم ما تبقى من فلسطين إلى المحتل الصهيوني قطعة قطعة بالتقسيط المريح، وإلهاء العرب ببعض الفتات من الحلول المزعومة التي ستضاعف معاناة وآلام الفلسطينيّين المشتّتين في المحيط العربي وفي ما تيسر من أماكن يزرع فيها بعد مرور سبعين عاما على حصول النكبة كل أنواع الحقد والكراهية والإرهاب المادي والمعنوي، يتعذر على إسرائيل والولايات المتحدة، تثبيت وجود الفلسطينيين حيث هم في بلاد استقبلتهم حتى الآن كلاجئين، والتخطيط الأميركي الترامبي، يسعى إلى إبقائهم في بلدان اللجوء، وإنهاء علاقتهم بوطنهم الأم كرمى لعيون إسرائيل وصهر ترامب العزيز اليهودي المتطرف الذي يمسك بخيوط السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، إسقاط بلا ضمير له رمزياته ودلالاته وآثاره الضاغطة على الوطن العربي كلّه. تزداد حدّة وشدة مع مرور الزمن. 
أين العرب اليوم من كل ذلك؟ الضمير العربي تغيرّت أوصافه وأشكاله وألوانه منذ العام 1967، ومع الأسف الشديد صحّت «نبوءة» بن غوريون بأن الأجيال العربية القادمة ستنسى مع الأيام حماسها وإيمانها بالقضية الفلسطينية، دون أن ننسى أن الشعب الفلسطيني وبعضاً من أبناء العروبة ما زالوا يعيشون هذه القضية ويبذلون حياتهم ثمناً لنضالهم المستمر لإبقاء قضيتهم قيد الوجود والإشتعال والإلتهاب، ومن يتابع أحداث فلسطين وخاصة منها أحداث غزة في هذه الأيام الحبلى بالوقاحة الأميركية وما تحتويه من غبن ومظالم وأعمال قهر واستبداد، قضية فلسطين ما زالت حية هناك في وجدان أهلها وصلابة تصميمهم على استعادة الأرض والوجود والكرامة، أما أنها ما زالت قضية عربية وإسلامية، فهي موجودة ومستمرة في دنيا التصريحات والإجتماعات والمواقف الخطابية، مع أن القدس، هي موقع إسلامي له كل صفات القدسية والإرتباط بأصول الديانتين الإسلامية والمسيحية. ذاكرة العرب وخاصة المسؤولين منهم، ضاع منها الكثير وهم مع الأسف لا يدركون بأن هذا الضياع سيعود يوما ما بالأذى الشديد على العالم العربي بأسره وأن توجيه عناصر النضال الحي والجدي والمصمم على حماية الوطن والدين والمصير القومي كله، هو واجب ملح لحماية الوطن العربي بأسره على مدى العروبة بأسرها أرضا وشعبا ومصيرا، يواكب ذلك مع الأسف، تصميم أميركي على تسليم الشعب الفلسطيني وآخر شْبرٍ من أرضه ومصيره إلى الجزارين الصهاينة. 
وإذ بدأ الفلسطينيون يحاولون تفكيك تركيبة علاقاتهم بالولايات المتحدة فسحبوا ممثلهم لدى الأمم المتحدة كموقف احتجاجي رفضا لتصرفات ترامب بصدد القضية الفلسطينية بشتى امتداداتها ومواقعها كتعبير عن رفض التعاون مع الولايات المتحدة طالما أنها مغرقة في تأييد إسرائيل من منطلقات فقدانها المتجدد لادعائها دور الحكم المحايد، ومن بنائها لمواقفها على أسس لاهوتية يهودية يصرح المسؤولون الأميركيون يصرحون بها بكل وقاحة واستفزاز وفي تلاوة الآيات التلمودية والاجتهادات الصهيونية التي تبني إسرائيل على مرتكزاتها مواقفها من مطامعها وطموحاتها في ما تبقّى من الأرض الفلسطينية المحتلة، نقول ذلك وردة الفعل العربية على هذا التحدي الأميركي للأمة العربية قد تخطت حدود المعقول، وأن الرد العربي ما زال حتى الآن ردا ملاينا وخانعا حتى لا نقول أنه في بعض الحالات ولدى بعض الدول العربية، يخفي في ثناياه وضعية متواطئة ومتآمرة . 
وحدهم أولئك الذين يستشهدون في غزة بالمئات يحاولون الرد والمواجهة، وهم يكادون اليوم أن يكونوا شبه الوحيدين العارفين بالمعنى الحقيقي لمدينة القدس. 
daouknet@idm.net.lb


أخبار ذات صلة

الفرصة الأخيرة للإصلاح وإنقاذ العهد
تساؤلات في ضوء إتفاقية بحر قزوين
العقدة الخفية أمام تشكيل الحكومة العتيدة