بيروت - لبنان 2021/03/06 م الموافق 1442/07/22 هـ

ترامب وبوتين على مشارف «صفعة القرن»

حجم الخط

لقاء بوتين وترامب في هلسنكي في أواسط الشهر الحالي يحل على لبنان وعلى المنطقة وسط مؤشرات جدّية عديدة على أن هذا اللقاء هو بمثابة مؤتمر يالطا جديد، وبداية استعمار جديد بوجوه مستعمرة جديدة، تتقاسم الجبنة العربية الدسمة ما بين قطبين أساسيين: الأول روسيا المستشرسة في طموحاتها إلى أن تكون قوة رئيسية في العالم عموما وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصا، وإسرائيل، ممثلة بالولايات المتحدة الأميركية وبرئيسها ترامب، ونحن لم نذكر وفقا لمنطق الأمور الكلاسيكي أن الطرف الآخر هو الولايات المتحدة الأميركية، لكونها ورئيسها ترامب متفرغان في هذه الأيام حالكة السواد، لاحتضان إسرائيل بمضامينها واستهدافاتها الإحتلالية والتوسعية، دون أن ننسى أن أهم مطامح ومطالب ترامب التي تعّهد لإسرائيل بتنفيذها تتمثل بما أطلق عليه تسمية «صفقة القرن» وهي الصفقة – الصفعة للعرب وللقضية الفلسطينية، ومؤداها الواضح والصريح في حال نجاح فرضها علينا، نسف القضية الفلسطينية من أسسها كافة بدءا بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، واخراج الفلسطينيين من عاصمتهم في الجزء الشرقي منها في منطقة أبو دبس، وهي ضاحية صغيرة من ضواحي القدس، ومرورا بتلك الصفقة التي تشكل في هذه الأيام، محور السياسة الأميركية الخارجية التي تعتمد إسرائيل ووجودها وحمايتها، الجزء الأهم من تلك السياسة، وصولا في ذلك إلى إجراء تسويات متبادلة خفيّة وجليّة مع روسيا، بدأت معالمها الأساسية بالإنكشاف والإتضاح، متمثلة بما سبق لقاء هلسنكي المقبل، من دفع ذاتي من قبل الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرارها بالإنسحاب من سوريا ومشاكلها ومعضلاتها وتسليمها بالكامل وبصورة تدريجية إلى المُمْسك المطلق بالشأن السوري في هذه الأيام بما فيه إمساكه بالنظام ككل، وبالأمن السوري الداخلي، وبتنظيم وترسيخ علاقات النظام مع إسرائيل، وإخراج إيران وميليشياتها من كل المواقع المحيطة بإسرائيل والقريبة منها والتي ترى أن وجود قوى غريبة تشكل ضررا وخطرا على الكيان الإسرائيلي وعلى طموحاته في التمدد والتوسع والإستيلاء على الأرض العربية في ما تيسر لها من الدول المحيطة بها، كل ذلك في مقابل الإنسحاب الأميركي المتدرج من المعضلة السورية، وذلك كله في مقابل تنازلها عن موقفها الرافض لاستمرارية النظام السوري في حكم سوريا والتحكم بأرضها ودولتها وشعبها إلى ما شاء الروس، وترك الشأن السوري بكامله بعهدة بوتين. يبدو إذن أن قمة هلسنكي المقبلة ستؤدي بالنتيجة إلى مزيد من الإطباق على الوجود الإيراني وملحقاته في سوريا، ومزيد من ترك الغول الأميركي يستغرق في تنفيذ مواقفه العدائية ضدّ إيران وطموحاتها واستهدافاتها التي تطاول، ولو ظاهريا، إسرائيل ومخططاتها وها هي الحرب الإقتصادية الأميركية قد بدأت تعنف ضد الدولة الفارسية، مطاولة في مسيرتها دول الإتحاد الأوروبي ومصالحه الإقتصادية بما فيه تلك الدول الأوروبية التي شاركت مع الولايات المتحدة في توقيع الإتفاق النووي مع إيران، ذلك الإتفاق الذي نسفه الرئيس ترامب ونسف معه منظومة إقتصادية تطاول أساس وملحقات هذا الإتفاق، الأمر الذي ألحق بالدول الأوروبية المذكورة جملة من الأضرار الموجعة ما زالت تسعى حتى الآن إلى تدوير زواياها وتقليل نتائجها المسيئة، لاقتصادها، ولكن دون جدوى. 
ومن أهم ما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد، أن جزءا أساسيا من الهجمة الأميركية على الإتفاق النووي وعلى إيران، يكمن في التخوف الإسرائيلي من طموحات إيران الممتدة مسيرتها ذات الطابع الأمني والعسكري، بدءا من طهران وصولا إلى شواطيء المتوسط، وأن أجزاء هامة من التحالف الأميركي- الإسرائيلي الذي يزداد تطورا وإساءة لفلسطين والدول العربية، ويدخل كل ذلك كما سبق ذكره، في إطار ذلك الإندماج العقائدي القائم أساسا ما بين ترامب مدعوما بأولئك الأميركيين العنصريين المنتمين إلى الإنجيليين البيض ذوي العلاقة العضوية والدينية بإسرائيل عموما ونظرياتها المتطرفة على كل صعيد، هنا أيضا تندمج المصالح الإسرائيلة اندماجاً عضوياً بالرؤى والتوجهات الدينية التي يمثلها هؤلاء. 
إذا قلنا فتش عن ترامب وعن خلفياته، يمكن الإجابة، لا تُعذّب نفسك ولا تبحث ولا تجتهد في هذا الصدد ، فترامب هو أبن هذه البيئة وهو اليوم قائدها الأساسي، وهي أمله في حماية نفسه بواسطتها من المشاكل الداخلية الصغيرة والكبيرة التي تواجهه والتي تسبّبَ بشخصه وأسلوبه وتصرفاته في استيلادها لنفسه، وهي أمله في تجديد رئاسته لولاية جديدة، ولعلّ صهره اليهودي، وممثله في كل قضية لها علاقة صغيرة وكبيرة بالنزاع العربي الإسرائيلي (وابنة ترامب هي زوجته التي بدّلت دينها إلى اليهودية استغراقا منها في مؤازرة زوجها في توجهاته وخلفياته اليهودية والصهيونية) وبالتالي: المكتوب يقرأ من عنوانه، فكيف بنا عندما يقرأ بنصه الكامل وأفعاله وافتعالاته. 
هلسنكي، يذهب إليها بوتين بعد أن أسهم في جريمة الإجهاز على الشعب السوري من خلال المجازر التي حققها الروس لمصلحة النظام الأسدي، فضلا عن مصالحهم شديدة الطموح والرغبة في التمدد السياسي والإقتصادي، ويذهب إليها ترامب بعد أن أعدّ ما هو مطلوب لاستكمال أسس التفاهم الأميركي – الروسي – الإسرائيلي، بعناوينه ومضامينه التي بدأت بالبروز تدريجيا إلى العلم العام من خلال تصريحات وتصرفات ترامب نفسها. 
ماذا بعد يالطا الجديدة ومحاولات تمرير وفرض صفقة العصر على المجتمع الدولي بأسره وعلى المقررات الدولية بشأن القضية الفلسطينية بكاملها، وما هي نتائجها على المنطقة عموما وخاصة على لبنان، أقرب الجيران إلى سوريا الملتهبة بنيران دول وميليشيات عديدة تحتل أرضها وتعمل في أرجائها كل أنواع القتل والتشريد واقتسام الأرض السورية إلى جملة من مواقع محتلة طاولها التهجير القسري والتغيير الديمغرافي. 
وأكثر ما يدفعنا إلى التحسب والتخوف، ذلك الإستخفاف الذي تواجه به الأحزاب والفئات اللبنانية موضوع تأليف الحكومة الجديدة وصيانة الوضع اللبناني ككل من الأخطار الداهمة على كل صعيد. 
المحامي محمد أمين الداعوق
daouknet@idm.net.lb


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 6-3-2021
إنقسام في أهداف مجموعات الحراك.. وأسماء «مدنية» جاهزة للانتخابات
التعقيد الحكومي يكشف مع جولات الحريري عن حقيقة الأزمة