بيروت - لبنان 2018/11/14 م الموافق 1440/03/06 هـ

تشكيل الحكومة بين التعجيز والتسهيل

حجم الخط

نقضت مهلة الأيام العشرة التي حددها الرئيس المكلف في برنامج «صار الوقت» ولم يخرج الدخان الأبيض لإعلان الحكومة. إذا كان الرئيس سعد الحريري قد استعمل عامل الوقت كوسيلة ضغط لتحريك القوى السياسية المعرقلة لمسار التأليف ودفعها الى تقديم تنازلات عن بعض المطالب، فإن النتائج المرجوة لم تتحقق، ولكنها ذهبت في الاتجاه المعاكس، حيث شهدت مختلف المنابر السياسية والإعلامية تصعيداً في المواقف المتناقضة والعدائية بين مختلف القوى السياسية المرشحة للمشاركة في الحكومة العتيدة. 
شهدت الأيام العشرة مساجلات متبادلة بين قيادتي التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية، وامتدت الى وسائل التواصل الاجتماعي لتشمل القاعدتين الحزبيتين كما جاءت الانتخابات الطلابية في بعض الجامعات لتعطيها سخونة اضافية. في الوقت الذي راوحت فيه العقدة الدرزية في مكانها، متأرجحة بين عدة اجتهادات حول اختيار الوزير الدرزي الثالث. ولا نغالي في توصيفنا في كل ما سمعناه بانه أشبه بالهذيان السياسي «السخيف والفارغ والبغيض».
دفعت اللقاءات التي عقدها رئيس الحكومة في اليومين الماضيين البعض الى التفاؤل وذلك من خلال التعويل على ما يمكن ان يتحقق خلال الأسبوع الجاري من تطورات إيجابية، لكن سرعان ما خفض الرئيس فؤاد السنيورة سقف هذا التفاؤل من خلال قوله «الحكومة ليست قريبة، ولكنها غير بعيدة». كل ذلك يؤدي فعلياً للتعامل مع كل ما يحيط بمسألة تأليف الحكومة بواقعية وبقدر من المسؤولية بدعوة القوى السياسية وخصوصاً «القوات» والتيار الى التعقل والتبصر في الأمر، وأخذ هدنة، لفتح الباب امام الرئيس الحريري لإعداد مشروعه الجديد للحكومة.
لا يمكن أن يأمل اللبنانيون في تجاوز مأزق التشكيل أو فتح أي ثغرة في جدار الأزمة السياسية التي يتخبط فيها لبنان منذ عام 2005 في ظل استمرار هذا الخلاف السياسي المستمر بين بقايا تكتلي 8 و 14 آذار من جهة، أو في ظل التهافت الحاصل على الحصص الوزارية او نوع الوزارات «الدسمة».
أضاعت القوى السياسية وعلى رأسها التيار الوطني الحر خمسة أشهر ثمينة من عمر العهد من خلال التنكر لكل القواعد والأعراف المتبعة في تشكيل الحكومات والدفع نحو اعتماد معايير رقمية تستند على نتائج الانتخابات الأخيرة، بالإضافة الى السعي لتشكيل «ثلث معطل» داخل مجلس الوزراء. لقد أخرجت هذه الطروحات والاجتهادات عملية تشكيل الحكومة عن مسارها السياسي ببعديه الداخلي والإقليمي، وحوّلته الى عملية استئثار بالسلطة، وبما يمكّن التيار من لعب دور الحزب الحاكم، وفق نماذج الأنظمة القائمة في الدول العربية  ودول العالم الثالث. 
في الوقت الذي يقترب فيه موعد انتهاء السنة الثانية للعهد في 30 تشرين الجاري لا بدّ من التساؤل عن مدى إدراك الرئيس عون وتياره السياسي بضرورة التعامل بواقعية سياسية مع كل المشكلات التي تواجهها عملية تشكيل الحكومة والعمل على تجاوزها ضمن الأصول الدستورية والأعراف التي كرسها اتفاق الطائف، ومع الاخذ بعين الاعتبار المصالح والتوازنات الداخلية والإقليمية والدولية، مع التركيز على الآتي: 
أولاً: تفرض الاستحقاقات الداخلية الملحة، والتطورات الإقليمية والدولية العمل بالسرعة اللازمة على تشكيل حكومة منسجمة وفاعلة وقادرة على مواجهة كل المتغيّرات الطارئة، والتصدي لكل الأزمات التي يواجهها لبنان اقتصادياً ومالياً وخدماتياً. 
ثانياً: لا بدّ أن يدرك العهد وداعموه مدى ضرورة الحفاظ على الحريري كرئيس للحكومة العتيدة، وذلك نظراً لأهمية علاقاته العربية والدولية وإمكانية توظيفها لصالح العهد ولبنان. ولا نغالي إذا قلنا بأن مشروع «سيدر» وما يحمله من آمال للنهوض بالبلد وباقتصاده يرتبط بشكل مباشر بوجود الحريري على رأس الحكومة. تستدعي هذه الحقيقة التي عبّر عنها الفرنسيون بصراحة من الرئيس عون والوزير باسيل بذل كل الجهود الممكنة لتسهيل مهمته، ووقف كل «الاجتهادات الفارغة» التي تقدم بها «جهابذة التنظير» المحسوبين على العهد لتعجيزه او دفعه للاعتذار. فالمطلوب تسهيل مهمته بدل تعجيزه. 
ثالثاً: لا بدّ من الاستفادة من انشغال اللاعبين الإقليميين إيران والمملكة العربية السعودية في المشاكل التي يواجهانها (الأولى بسبب العقوبات والضغوط المتصاعدة اميركياً ودولياً ضدها، والثانية بسبب الحملة التي تتعرض لها جراء اختفاء الصحافي جمال خاشقجي) لتجاوز الضغوط التي يمكن ان يمارسانها من أجل الاخلال بالتوازنات السياسية الداخلية دعماً لحلفائهما.
رابعاً: لا بد من أن يتدارك الرئيس عون شخصياً موضوع تمثيل حزب الله في الحكومة، والحؤول دون تسبب العقوبات الأميركية ضد الحزب بأضرار جسيمة للمصلحة الوطنية وذلك بعد تصنيفه الاخير. 
إذا صلحت النوايا ونجح الرئيسان عون والحريري في التوافق على تشكيلة وزارية فإن السؤال يبقى مركزاً حول مدى قدرة الحكومة على وضع رؤية للنهوض الاقتصادي ومحاربة الفساد.
في الواقع بات من الصعب اقناع الناس بقدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها، والدخول في توافقات حقيقية تهدف الى تقديم المصلحة العامة على مصالحها الخاصة، وبالتالي السير قدما نحو تحقيق مشروع الإصلاح والتغيير الذي ينادي به العهد.



أخبار ذات صلة

يا شعب لبنان العظيم لا أمل عندنا ولا مستقبل لنا. [...]
القبض على لبنان .. هل يحمي إيران؟
الخلل والإحباط في الشارع السنّي / ٣ المظلومية في السياسة [...]