بيروت - لبنان 2020/06/07 م الموافق 1441/10/15 هـ

حكومة اللاقرار وأكلة الجبنة

حجم الخط

لا يحتاج المراقب إلى كثير عناء أو تحليل ليدرك ان الهوّة بين الوعود التي قدمها الرئيس حسان دياب بعد تكليفه بتشكيل الحكومة أو في معرض البيان الوزاري الذي تقدمت به الحكومة إلى  مجلس النواب وطلب نيل الثقة، هي آخذة في الاتساع، دون بروز أية معطيات أو مؤشرات على قدرة هذه الحكومة على وضع البلاد على سكّة حل الأزمة المالية والنقدية والاقتصادية. في نفس الوقت كان من سوء طالع الحكومة المفاجأة التي فرضها عليها ظهور جائحة «كورونا»، مع ما تتطلبه المواجهة الخطيرة والشرسة من جهود واعباء، في وقت شحت فيه الموارد اللازمة للدولة على المستويين المالي والطبي.

لا يُمكن التشكيك بحسن نوايا رئيس الحكومة ووعوده بالعمل على اخراج البلاد من الأزمة المعقدة التي تواجهها، هذا بالاضافة إلى الجهود المكثفة التي بذلها مع حكومته، والتي عملت على مدار الساعة منذ نيلها الثقة، سواء من خلال اجتماعات مجلس الوزراء أو من خلال عمل اللجان الوزارية، ولكن لم تترجم هذه الجهود والنشاطات حتى الآن بأية نتائج عملية قادرة على التخفيف من تداعيات الأزمة بأبعادها المالية والنقدية والاقتصادية. ولا يبدو ان هناك أية نافذة أمل أمام الحكومة للخروج من حلقة الدوران المفرغة التي فرضتها عليها القوى السياسية المشاركة في الحكومة، حيث تبين بأن هذه الحكومة ليست هي قولاً أو فعلاً الحكومة التي وعد أو ادعى تشكيلها حسان دياب، بل هي من نفس طينة الحكومات السابقة، حيث تمثلت القوى السياسية المشاركة فيها بمجموعة من الاتباع أو المستشارين.

سعت الحكومة إلى ترجمة اجتماعاتها وما أنتجته اللجان التي شكلتها إلى جملة من المشاريع الاصلاحية الملحة، وفي طليعتها تفعيل القضاء من خلال تشكيلات قضائية يضعها مجلس القضاء الأعلى، بعيداً عن التدخلات السياسية، يضاف إليها مشروع قانون ينظم ويشرع عمل المصارف وخصوصاً لجهة حماية حقوق المودعين في أموالهم، ووقف سياسة التعسف والاذلال التي فرضتها المصارف عليهم خارج إطار القانون.. ولكن سرعان ما اصطدمت الحكومة بتحفظات صريحة من القوى السياسية المشاركة فيها، وقد أدى ذلك إلى سحب مشروع القانون الخاص بتنظيم العمل المصرفي وإلى تجميد التشكيلات القضائية بحجة انها لا تراعي بعض المعايير وأبرزها معيار التوازن الطائفي.

جهدت الحكومة، في محاولة للالتفاف على نتائج هاتين الانتكاستين، ولاثبات حسن نيتها وقدرتها على السير قدماً في تنفيذ بعض الإصلاحات الموعودة من خلال مقاربة اصلاح الخلل في قطاع الكهرباء، وسرعان ما اتضح لها بأن الوزير المستشار المسؤول عن الطاقة والمياه هو ملتزم بالآليات التي وضعها التيار الوطني الحر، والتي ترفض فكرة تعيين هيئة ناظمة للقطاع أو تشكيل مجلس إدارة جديد لكهرباء لبنان، وبأن القطاع سيبقى في عهدة مجموعة من المستشارين. وكان الاستحقاق الآخر الذي سعت الحكومة الى معالجته يتمثل في تعيين نواب حاكم مصرف لبنان ورئيس وأعضاء هيئة الرقابة على المصارف، وادارة الأسواق المالية، ولكنها سرعان ما اصطدمت بتحفظات سياسية تهدد بتفجير الحكومة في حال الخروج على مبدأ المحاصصة، تأكيداً على استمرارية النظر إلى الدولة بأنها «كعكة» ولكل من النافذين في الحكومة حصته منها، وهكذا تأجل طرح التعيينات بحجة عدم تقديم السيرة الذاتية للمرشحين لهذه المناصب الرفيعة، وتفيد آخر المعلومات بأن وزير المالية قد قدّم السيرة الذاتية لستة عشر مرشحاً لنواب حاكم مصرف لبنان ولعشرين مرشحاً للجنة الرقابة على المصارف ولأثنى عشر مرشحاً للجنة الأسواق المالية، وذلك تمهيداً لإقرار التعيينات في جلسة مجلس الوزراء التي ستعقد في بعبدا يوم الخميس القادم، وهنا لا بدّ من التساؤل عن امكانية التوصّل إلى صفقة مرضية للتيار الوطني الحر وللمردة وبما يسهل إقرار التعيينات المرتقبة.

كشفت الانتكاسات المتتالية التي تعرّضت لها المشاريع التي عملت الحكومة على إنجازها بأن الحكومة ليست موحدة، ولا تمللك الاستقلالية التي وعدنا بها رئيسها، وهي لا تملك فعلياً القدرة على المبادرة واتخاذ القرارات اللازمة لمعالجة وجوه الأزمة. صحيح ان الحكومة تضم مجموعة من الأشخاص الاكفاء، ومنهم من له باعه الطويل وخبرته في حقل اختصاصه، ولكن ذلك لا يكفي لتحويل هذه المجموعة إلى  حكومة فاعلة موحدة الرؤية والرأي والقرار.

لقد ساهمت أجواء الاختلاف بين رؤية الحكومة لمعالجة مطالب عودة المغتربين والمواطنين الموجودين في الخارج ورؤية بعض القيادات السياسية وعلى رأسها رئيس مجلس النواب في كشف الضوابط والخطوط الحمراء لعمل الحكومة ولقراراتها في مختلف القضايا الوطنية المهمة، بما فيها مسألة خطيرة تتعلق بالسيطرة على تفشي جائحة «كورونا»، ومنعها من الانفلات إلى خارج إطار قدرات النظام الصحي الوطني لضبطها والسيطرة عليها. من جديد، خضعت الحكومة وتراجعت عن التوجهات التي شرحها وزير الخارجية في هذا الخصوص.

في سياق معالجة أزمة «كورونا» يفترض بالحكومة ان توحد صفوفها وان تعلن حربها على الوباء على جبهتين، الأولى مواجهة الفيروس بالتدابير الحازمة لمنع تفشيه، في محاولة للاحتفاظ بفائض في المنشآت والقدرات الطبية الراهنة للتأكد من احتوائه. والثانية، مواجهة متطلبات التساقطات الاجتماعية الناتجة عن تدابير التعبئة العامة، بما فيها قرار منع التجول وتعطيل جميع المؤسسات والمصالح.

لا يمكن للحكومة ان تكون قادرة وفاعلة في محاولاتها لمواجهة تعقيدات الأزمة الراهنة إذا لم تتوافر لها الرؤية والسلطة، وإذا اعتبرنا أن الحكومة بفريق الخبراء والاختصاصيين المشكلة منه هي قادرة على اجتراح الرؤية اللازمة للحلول المطلوبة، فإنه بات من المشكوك في امتلاكها للسلطة القادرة على تنفيذ رؤيتها وبرامجها الإصلاحية، في ظل سلوكية المصالح التي تعتمدها القوى السياسية، والتي وصلت وللأسف الشديد إلى التهديد بفرط عقد الحكومة، إذا لم تنل حصتها «العادلة»، وهنا لا بدّ من التساؤل عن مدى إدراك الرئيس دياب إلى انه يتحمل شخصياً ومتفرداً مسؤولية الفشل الذي ينتظر حكومته، وانه بات لزاماً عليه ان يحزم امره.

رحم الله الرئيس فؤاد شهاب الذي كان يصف السياسيين بـ«أكلة الجبنة» وما اكثرهم وأنهمهم في هذا الزمان.




أخبار ذات صلة

وزير الصحة: ليس من فراغ قلنا لا داعي للهلع
عبد الصمد تدعو الإعلام لـ«النأي بالنفس»..
عون دان التعرض للرموز الدينية: ما جرى ليل أمس جرس [...]