بيروت - لبنان 2020/07/14 م الموافق 1441/11/23 هـ

حكومة لزوم ما لا يلزم

حجم الخط

لم يعد يكفي أن نعترف بأن الدولة متصدّعة، وغائبة غياباً كلياً عن وظائفها ومسؤولياتها، بل فالدولة باتت متهاوية تسقط لبنة بعد لبنة، في الوقت الذي يستمر فيه العهد ورئيس حكومة الإصلاح في المراوحة مكانهما، وبما يؤشر إلى غياب كامل للرؤية الإصلاحية، والإرادة القوية والحاسمة لوقف التدهور الشامل في جسم الدولة، وفي ماليتها وفي النقد الوطني، والذي بات يُهدّد البنيتين الاقتصادية والمعيشية، ودفع البلاد الى نقطة اللارجوع. كان من المفروض والمتوقع أن تبادر حكومة حسان دياب، مدعومة من الرئيس ميشال عون منذ الأسبوع الأول لنيلها الثقة الى وضع رؤية إصلاحية، وان تبدأ فوراً باتخاذ خطوات إصلاحية، لجهة ضبط الاوضاع المالية، وحماية النقد الوطني، ومنع ارتفاع أسعار السلع الضرورية بهدف وقف الانهيار الذي تسببت به المصارف باقفالها أبوابها ووقف عملياتها مع المودعين، واسترسالها بتهريب القسم الأكبر من موجوداتها المالية الى الخارج. أضاعت الحكومة الفرصة من خلال تلهيها بتعيين المستشارين وتشكيل اللجان الوزارية والتعاقد مع الشركات الدولية لمساعدتها على تقديم المشورة التقنية والتفاوض مع الجهات الدائنة، بعدما رفضت الحكومة سدادها استحقاقات سندات «اليوروبوندز».

بعد أشهر من عمل اللجان الوزارية، وتقارير المستشارين، خرجت الحكومة بخطة تصحيح مالي لتواجه بها فريق صندوق النقد الدولي من أجل طلب دعم الصندوق للعملية التصحيحية المرتقبة. وكان اللافت في الامر سعي الحكومة المكشوف لاستبعاد حاكمية مصرف لبنان وجمعية المصارف والهيئات الاقتصادية عن عملية تقييم الأوضاع المالية المتردية، وبالتالي فتح نقاش مثمر وشفاف من أجل تحديد الخسائر المتراكمة، خلال ثلاثة عقود، والتي نتجت في غالبيتها المطلقة عن سوء ادارة ونهب المال العام من قبل الطبقة السياسية التي توالت بكامل قواها السياسية واحزابها على المشاركة في الحكومات المتتالية.

في الواقع تعمدّت الحكومة ومستشاروها الماليون من خلال الأرقام التي حددتها للخسائر المالية التي أوردتها في خطتها التي تقدمت بها للتفاوض على أساسها مع صندوق النقد إلى إعلان إفلاس لبنان ونظامه المصرفي، بما في ذلك مصرفه المركزي. لقد حددت خطة الحكومة مجموع الخسائر بـ241 ألف مليار ليرة لبنانية. وتبين من خلال عملية الاحتساب والتدقيق التي قامت بها اللجنة المالية الفرعية في مجلس النواب أن هذه الأرقام مضخمة، وهي تبلغ ثلاثة أضعاف الخسائر الحقيقية، المحتسبة وفق قواعد واقعية لإعادة هيكلة الدين العام من جهة، ولامكانية تسديد القروض المصرفية من قبل القطاع الخاص من جهة أخرى.

يبدو بأن أرقام الخسائر المضخمة التي تضمنتها خطة الحكومة، لم تأت نتيجة سوء تقدير أو نتيجة أخطاء محاسبية، بل جاءت عن سابق تصوّر وتصميم، وبهدف شطب ديون الدولة من خلال الاستيلاء على أموال المودعين وأموال المصارف الخاصة، وتشكل هذه المحاولة تهديداً خطيراً للاقتصاد الوطني، والذي لا يمكنه ان ينهض ويستعيد عافيته دون وجود قطاع مصرفي عامل، ويوحي بالثقة من أجل جذب استثمارات جديدة من الداخل والخارج. وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا التلاعب بالأرقام وتضخيمها، وبعد وضع اليد بصورة واقعية ودقيقة على الخسائر الحقيقية، إلى استقالة عدد من المستشارين الذين شاركوا بوضعها، والتي كان آخرها استقالة مدير عام وزارة المالية آلان بيفاني، والذي صرّح بعد استقالته بأنه قدم استقالته لأنه يرفض أن «يكون شريكاً أو شاهداً على ما يجري»، مشيراً إلى ممارسة «أكبر عملية تضليل من قبل قوى الظلمة والظلم التي تكاتفت لحماية مصالحها على حساب مصلحة المجتمع بأكمله».

تتحدث المعلومات عن قيام بيفاني على رأس فريق المستشارين بدور أساسي في وضع خطة الحكومة المالية، وهذا يدعونا إلى استيضاحه، من هي قوى الظلام والظلم التي يتحدث عنها، والتي تتعمد سرقة أموال المودعين والمصارف، خصوصاً بعدما استطرد واتهم هذه القوى بالعمل على الاستيلاء على أموال اللبنانيين بالمواربة؟

أين هي الحقيقة، من قضية تحديد الخسائر؟ وهل يمكن ان نصدق أية أرقام تقدمها حكومة حسان دياب، على ضوء التصريحات التي أدلى بها بيفاني والذي كان يرأس فريق المستشارين الذين وضعوا الخطة؟

في رأينا، وعلى ضوء ما سمعناه عن الأرقام المضخمة للخسائر، وما أدلى به مدير عام المالية أول أمس، لم يعد من الممكن الوثوق بقدرة ونوايا الحكومة بقيادة أي مشروع إصلاحي. ولا نظلم هذه الحكومة بأنها من خلال سوء ممارستها للسلطة قد تسببت بفقدان الثقة بالنقد الوطني، وبالتالي بالدفع نحو انهيار قيمته الشرائية، حيث بلغت نسبة التضخم خلال أشهر معدودة ما يزيد على 350 في المائة. تدعو المصلحة الوطنية فعل كل ما هو ممكن لإسقاط هذه الحكومة في أسرع وقت ممكن، والاتيان بحكومة بديلة قادرة على إنقاذ لقمة عيش اللبنانيين. فقد برهنت هذه الحكومة بأنها حكومة لزوم ما لا يلزم.

لا نريد التلهي بمشاريع الحكومة ووعودها وخطابات رئيسها والتي لا تتعدّى صيغة ومنطق مواضيع الإنشاء المدرسية، كما اننا لا نريد اضاعة ما تبقى من فرص الإصلاح والنهوض من خلال جدل عقيم يدفعنا إليه أمين عام حزب الله، سواء للاختيار ما بين الجوع والبندقية أو بين التوجه غرباً أو شرقاً، حيث تدعو خطورة المرحلة العودة إلى زخم الانتفاضة في الشارع كوسيلة ناجعة لإسقاط حكومة دياب على غرار المصير الذي واجهته حكومة الحريري قبله.



أخبار ذات صلة

انتهاء جلسة مجلس الوزراء في قصر بعبدا
فرعون: الاقوياء يصنعون التاريخ أما الضعفاء فيحاولون تعويم شعبيتهم
الصحة السعودية تسجل 2692 إصابة وأكبر نسبة تعافي اليوم عند [...]