بيروت - لبنان 2019/11/21 م الموافق 1441/03/23 هـ

خيارات العهد المستحيلة

حجم الخط

فشلت كل الرهانات على اجهاض الانتفاضة الشعبية واسقاطها قبل تحقيق أي من الشعارات التي رفعتها أو المطالب التي نادت بها. لقد استعادت الانتفاضة يوم الأحد الماضي زخمها وبريقها مع تدفق جماهيرها إلى مختلف الساحات الممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، وفي مختلف مناطق البقاع، مع ما رافقها من قطع لكل الطرق الرئيسية وللشوارع الهامة في بيروت وطرابلس وصيدا.

عبّرت الجماهير عن سخطها من تباطؤ الرئيس ميشال عون في الدعوة لاستشارات نيابية، والتي تمثل واجباً دستورياً يؤسس لاطلاق عملية تشكيل حكومة جديدة قادرة على الاضطلاع بالعملية الاصلاحية، التي ينادي بها معظم اللبنانيين. وكان اللافت دعوة التيار الوطني الحر محازبيه للنزول إلى طريق القصر الجمهوري لتنظيم مظاهرة دعم للرئيس عون. وكانت المفاجأة الكبرى باطلالة الرئيس على هذه التظاهرة وتوجيه رسالة إليها، الأمر الذي جرى تفسيره من بعض المراقبين وكأنه دعوة لشارع مؤيد للعهد لمواجهة شارع معارض له. ويذكّر هذا المشهد ببداية الحراك الشعبي في اليمن، حيث دفع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الجمهور المؤيد له للتظاهر ضد الانتفاضة الشعبية المطالبة باسقاطه. هذا مع الرجاء والأمل أن لا تستمر عملية التحريض لشارع مقابل شارع إلى إندلاع حوادث دموية تضع البلاد على طريق الفتنة.

منذ استقالة حكومة سعد الحريري في 29 تشرين أول لم يبدِ الرئيس عون أو تياره الاهتمام اللازم بما يجري في الشارع، ولا يبدو أن الرئيس يستعجل الخطوات لتشكيل حكومة قادرة على تنفيذ خارطة الطريق للاصلاحات التي تحدث عنها في كلمته المتلفزة التي وجهها للشعب اللبناني. ولا بدّ أن يدرك الرئيس ومعه جميع القيادات الأخرى بأن الشارع لن يهدأ، ولن يتوقف عن البحث عن خطوات تصعيدية ينفذها في مواجهة التباطؤ الحاصل من قبلهم.

في غياب اجراء الاستشارات النيابية وتسمية رئيس للحكومة العتيدة تبقى الكرة في ملعب رئيس الجمهورية، ولا بدّ له أن يدرك بأن هذا التباطؤ بحجة التوافق على شكل الحكومة قبل التكليف هو إجراء غير دستوري، ولا يتوافق مع نبض الشارع الذي بدأ يفقد بعض من فيه ضوابط التظاهر السلمي، وبما يفتح الباب أمام اصطدام هؤلاء مع الأجهزة الأمنية.

سبق لرئيس الجمهورية وأن ألمح إلى أن سبب التباطؤ إنما يعود إلى عراقيل تضعها القوى السياسية أمام جهوده لإيجاد حل للأزمة بدءاً من تشكيل حكومة تتجاوب مع نبض الشارع. لا يشكل تغييب اسماء الأفرقاء الفاعلين ذلك عذراً محلّاً للرئيس، حيث تقتضي مسؤولية الوفاء بقسمه كاتخاذ الخطوات اللازمة التي تخدم مصالح شعبه الاقتصادية والمالية والحياتية. ولا بدّ أن يدرك الرئيس عون بأنه مازال يملك صلاحية الدعوة إلى حوار وطني تتشارك فيه جميع القوى السياسية، كما يملك سلاح الموقف ودعوة اللبنانيين للوقوف إلى جانبه في مواجهة من يعرقل أو يعطل مسيرة الاصلاح لكن ذلك لا بدّ أن يقترن بالتخلي عن كل التزاماته العائلية والحزبية، ويلتزم بالتالي فعلاً بمقولة بأنه «بي الكل».

في ظل أجواء الغموض والشك التي تحيط بعملية تسمية رئيس للحكومة العتيدة والتأكد من عدم عرقلة جهوده وخياراته لانتقاء الوزراء وفق الشروط التي حددتها الانتفاضة، تتحدث وسائل الاعلام عن عقدة توزير جبران باسيل، مع ربط ذلك بتسمية سعد الحريري لرئاسة الحكومة.

يؤشر هذا الأمر معطوفاً على مظاهرة التيار على طريق القصر الجمهوري إلى عدم إدراك فريق العهد لمطالب الشارع، وبالتالي الدفع نحو تعميق الأزمة السياسية الراهنة.

في هذا الوقت يبدو أن حزب الله كمن يسير على حبل مشدود. لقد اعترف السيد حسن نصر الله بمطالب الانتفاضة المشروعة، كما أدرك أن جزءاً كبيراً من بيئته الشيعية يؤيد هذه المطالب. لكن بدا بوضوح بأن الحزب حريص على الاحتفاظ بحكومة تؤمن لحليفه الرئيس شبكة الأمان لمواجهة الضغوط في الشارع، هذا بالإضافة إلى حرص الحزب على حماية الرئاستين الأولى والثانية كدعامتين اساسيتين لمشاريعه واستراتيجياته على المستوى الإقليمي.

أظهر الأمين العام للحزب في خطبته وإطلالته التلفزيونية حرصاً على عدم تسييس الإنتفاضة من بعض الدول العربية أو السفارات الأجنبية، طارحاً شكوكه حول مصادر التمويل اللازمة لاستمرارها. لكنه غاب عن باله بأن هذه الشكوك التي طرحها تشكل بحد ذاتها عملية تسييس مباشرة للانتفاضة، وقد اتبعها على الأرض بضغوط على شارعه لمنع مشاركته فيها، كخطوة أولية على طريق التحضير لوأدها أو احتضانها.

يدرك حزب الله أن الانتفاضة لا تشكل خطراً وجودياً عليه أو على خيارات المقاومة الاستراتيجية، وبأنه يملك من خلال قدراته الشعبية وحلفائه قاعدة شعبية واسعة، جاهزة لمساندته في كل خياراته في مواجهة اسرائيل أو على المستوى السياسي الداخلي. ويبدو بوضوح بأن الحزب لن يعوّل على وجود وزراء له في حكومة انتقالية لا يمكنها أن تتشكل أو تنال ثقة المجلس النيابي الذي يحتفظ فيه الحزب بأكثرية تزيد على 72 نائباً.

يبدي الحزب حرصاً على عدم معارضة الانتفاضة وذلك ادراكاً منه بمدى إضرار ذلك بشرعية خيار المقاومة المعترف به شعبياً من جهة، ولتماثل شعارات الانتفاضة مع الشعارات الإصلاحية التي يرفعها الحزب من جهة ثانية.

على ضوء المواقف المعلنة لمختلف القوى السياسية من الانتفاضة، والداعمة لها، وفي ظل المواقف الواضحة لحزب الله من العملية الاصلاحية يمكن الاستنتاج بأن الكرة الآن هي في ملعب الرئيس عون والتيار الوطني الحر. وتدعو حراجة الموقف في الشارع بالإضافة إلى المخاطر الاقتصادية والمالية أن يدركوا مدى أهمية وضع الأزمة على سكة الحل من خلال التخلي عن سياسة المحاصصة والهمينة على القرار السياسي داخل مجلس الوزراء.


أخبار ذات صلة

الملك سلمان وولي العهد الامير محمد لدى افتتاحهما أعمال دورة جديدة لمجلس الشوري (واس)
الملك سلمان يدعو إيران للتخلّي عن «الفكر التوسُّعي والتخريبي»
أول الأبناء الشرعيين لانتفاضة تشرين
العهد بين الفراغ الحكومي وإستمرار الثورة...!