بيروت - لبنان 2019/12/06 م الموافق 1441/04/08 هـ

خيارات ترامب في مواجهة إيران

حجم الخط

تذكّر الهجمات المتتالية على ناقلات النفط في مضيق هرمز والمناطق القريبة منه بالهجوم الذي شنته فيتنام الشمالية على البارجة الأميركية «مادوكس» في عام 1964 في خليج «تونكين» والتي أدت إلى اندفاع الولايات المتحدة إلى خوض حرب فيتنام؛ والتي استمرت ما يزيد عن عقد كامل. 

تدعو الحوادث المتلاحقة في منطقة الخليج إلى القلق من إمكانية الإنزلاق إلى حرب، قد تعمد الولايات المتحدة وبريطانيا إلى دفع إيران إليها من خلال تحميلها مسؤولية مسلسل الهجمات التي تعرضت لها ناقلات النفط، سياسيًا وقانونيًا، وبالتالي إيجاد المبررات الدولية لشنّ حرب ضدها. لا يمكن أيضًا استبعاد اندلاع الحرب عن طريق خطأ يرتكبه أحد الطرفين في ظلّ الحشود العسكرية الراهنة، وتقارب المسافات وتداخل الانتشار بين القوات المتقابلة، في ظل اعتمادها لأعلى مستويات الجهوزية القتالية والحذر الأمني. 

يحاول عدد من السياسيين الأميركيين في ظلّ هذه الظروف الدقيقة التي تخيّم على منطقة الخليج إجراء مقارنة بين حادثة خليج «تونكين» والهجمات التي تتعرض لها ناقلات النفط لدى اجتيازها مضيق هرمز أو إبحارها في خليج عدن، والتي يمكن أن تدفع الولايات المتحدة وبريطانيا إلى الردّ عسكريًا عليها، وبالتالي فتح الباب أمام احتمال الدخول في نزاع عسكري مفتوح مع إيران. 

في الواقع تجتاز العلاقات الأميركية- الإيرانية مرحلة صعبة وقاسية في ظلّ رئاسة دونالد ترامب، وبعد قراره بإلغاء الاتفاق النووي الذي وقّعه سلفه باراك أوباما عام 2015، مع إعادة فرض نظام العقوبات المشدّدة على طهران، والذي يتسبب بأضرار بالغة على النقد والإقتصاد الأيرانيين، مع كل ما يلحق ذلك من أثار سلبية على سمعة المسؤولين الإيرانيين، وعلاقاتهم بشعبهم، والذي يتجاوز عدده 80 مليونًا، نصفهم دون 35 سنة من العمر. 

تسعى إيران من خلال سياستها الراهنة لمواجهة الضغوط الأميركية بتهديدها لخطوط الملاحة في المنطقة، وبالتالي تعطيل شحن 30 في المائة من النفط العالمي إلى تقليد السياسات والسلوكيات التي تتبعها كوريا الشمالية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها في آسيا من أجل الحصول على تنازلات تؤدي إلى حفض مفاعيل نظام العقوبات المفروض عليها. إن الرسالة الإيرانية في هذا السياق هي واضحة: إذا لم ترفعوا عني قسمًا من ضغوطكم فإنني سأعطل الملاحة في المنطقة وسأقطع بالتالي خطوط تدفق النفط نحو الأسواق العالمية. 

لم يقتصر البحث عن إمكانية استفادة الرئيس ترامب من مواجهة التهديدات الإيرانية على استعادة ما جرى في خليج «تونكين»، بل جرى استحضار تجربة الرئيس رونالد ريغان في مواجهة حرب ناقلات النفط الكويتية والتي شنتها إيران في عامي 1987 و1988، والتي كانت تنقل صادرات النفط العراقية من المرافئ الكويتية أثناء فترة الحرب بين العراق وإيران. لقد قرّر ريغان في حينه رفع العلم الأميركي على الناقلات الكويتية، لتبرير مرافقة الأسطول الأميركي لهذه النقالات ومنع حصول الهجمات الإيرانية ضدها. وجاء قرار ريغان لتأمين هذه الحماية في إطار حرصه للحؤول دون دعوة العراق والكويت الاتحاد السوفياتي للقيام بهذه المهمة. 

كان اللافت بعد بدء العمليات الأميركية حرص الرئيس ريغان على اعتماد مجموعة من الضوابط لمنع الإنزلاق إلى حرب واسعة مع إيران، حيث اقتصرت العمليات الأميركية على ضرب المنصات النفطية في مياه الخليج، وتدمير معظم قطع الأسطول البحري الإيراني، مع الامتناع عن تنفيذ أية هجمات داخل الأراضي الإيرانية، وذلك حرصًا منه لعدم دفع إيران إلى مهاجمة أهداف داخل الدول العربية المجاورة. 

يمكن أن تشكل المقاربة الحذرة التي اعتمدها ريغان في المواجهة مع إيران درسًا ومثالاً مفيدًا للرئيس ترامب إذا ما تطورت الأمور إلى مواجهة مباشرة مع القوات الإيرانية. لكن يبقى من الضروري إدراك القيادة العسكرية الأميركية مدى عدم وضوح الخط الفاصل بين تحقيق عامل الردع المطلوب واللازم لمنع حصول عمليات إيرانية مباشرة على الناقلات وبين استفزاز القيادات الإيرانية ودفعها بالتالي للقيام بعمليات هجومية تؤدي إلى إقفال مضيق هرمز. 

صحيح أن إيران تتعرض في عام 2019 لحصار اقتصادي قاس جدًا، ولكنها لا تشعر بحالة الإنهاك التي كانت تشعر بها بسبب الحرب المدمرة مع العراق، كما تملك إيران وعودًا من حلفاء أميركا الأوروبيين بمساعدتها لتخفيف مفاعيل العقوبات الأميركية عليها، هذا بالإضافة إلى امتلاك إيران لقوات حليفة مثل حزب الله وحماس والحوثيين، قادرة على نقل مواجهتها مع الولايات المتحدة إلى مسارع عمليات عديدة في المنطقة. لذلك يبقى من المستبعد أن تنكفئ إيران عن التحديات التي ترفعها في وجه القوات الأميركية، حيث تشكل سلوكيتها الراهنة، واستمرار هجماتها على ناقلات النفط خير مؤشر على قرارها «الحازم» في الدفاع عن مصالحها في مواجهة الحصار الاقتصادي الأميركي المتصاعد. 

السؤال المطروح الآن يتركز على مدى قدرة ترامب على اعتماد الخيارات التي اعتمدها سلفه ريغان، والتي استندت على قواعد اشتباك وأهداف واضحة ومدروسة أو الذهاب نحو التصعيد، بحيث يؤدي ارتكاب أي خطأ استراتيجي أو أي سوء لإدارة العمليات إلى حرب واسعة. لا يمكن في ظلّ الأوضاع الراهنة التنبؤ بما ستحمله الأيام أو الأسابيع المقبلة من تحديات وأحداث.  



أخبار ذات صلة

صقور السعودية لتأكيد مؤهلات الجيل الجديد الواعد بقيادة المدرب المحنك رينارد
خليجي 24: لقب رابع لصقور السعودية ام اول تاريخي للبحرين
أيام بيروتية (6): الأسطول الروسي يُخرج الجزار من بيروت والأمير [...]
محرز لفك عقدة يونايتد التي يتشاركها مع صلاح