بيروت - لبنان 2020/10/29 م الموافق 1442/03/12 هـ

دولة الكاهن ودولة الرئيس

حجم الخط

لم تقارب صيغة البيان الوزاري أو مفرداته وأدبياته ما يناسب المرحلة الدقيقة التي ألقت الحكومة الجديدة على نفسها مسألة النهوض بها. رتابة الأفكار المستديرة المجهولة الإستهداف والجدوى، التي حملها البيان، التي تصحّ في مراحل تأسيس الدول وحكوماتها الأولى بعد نيّل الإستقلال، لا تصحّ مطلقاً عندما يتعلّق الأمر بفسادٍ مستشرٍ في الإدارة والقضاء والمال العام واستغلال السلطة والنفوذ، والتي يدركها القاصي والداني خارج وداخل لبنان. البيان الذي أصدرته حكومة أعطاها الدستور صفة السلطة التنفيذية، حاكى بيانات حكومات الوحدة الوطنية التي أثبتت فشلها بجدارة، وغابت عنه صيغة القرار والتنفيذ فأتت فقراته الإثنتي عشرة أشبه بوصايا يتلوها كاهن على رعيّتة فيحاكي ما تبقى في نفوسهم من إيمان، وعلى طريقة «إنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»(سورة القصص الآية 56).

ربما تبادر خطأً الى أذهاننا، وبصرف النظر عن الموقف من الفريق الحكومي أو من طريقة تسمية رئيس الحكومة، أنّ البيان قد يحدث صدمة إيجابية تلامس عقول ووجدان المتظاهرين في الساحات على امتداد الوطن، أو قد ينجح في إطلاق نقاش ديناميكي بين مجموعات الحراك حول قدرة الحكومة على إحداث خرق ما في جدار الأزمة السياسية الإجتماعية، ولكن ما تضمّنته الفقرات المتعلّقة بالإصلاحات من أفكار خلا من أي حيوية حقيقية قادرة على إقناع الجمهور بجديّة كلّ ما ورد في فقرات الطاقة والإتصالات والنفط ومكافحة التهرب الضريبي وتحفيز الجباية، كما لا يمكن تصديق القدرة على إحداث إصلاحات هيكلية في الإدارة المتخمة بالتوظيف السياسي أو بتعيين الهيئات الناظمة ومجالس الإدارة في مؤسسة كهرباء لبنان أو في قطاع الإتصالات أو في شركة النفط الوطنية أو هيئة إدارة قطاع النفط ومؤسسة الضمان الإجتماعي وسواها. كما أنّ الورشة التشريعية التي ألزمت الحكومة نفسها بإنجازها ضمن مهلة المئة يوم لتشكيل المنطلق للإصلاحات في السنوات الثلاث المجدولة لا يمكن أن تتحول الى قوانين على يد منظومة السلطة الموجودة التي لن تطلق النار على نفسها. لن تقوى هذه الحكومة على إخراج كل ما ورد تحت عناوين الإصلاح من دائرة التجاذب السياسي والفساد القطاعي الذي تعبّر عنه الطوائف المستأثرة بالقرار السياسي تحت مسميّات الحقوق المقدسة والقضية المقدسة والإقتصاد المقدس.

إنّ موقف الحكومة في جلسات مناقشة البيان الوزاري في المجلس النيابي لن يكون إلا صورة متكررة لجلسة مناقشة قانون الموازنة، حكومة لا تتمتع بمشروعية شعبية في موقع الدفاع عن إرث ثقيل أمام مجلس نيابي منقسم حول كل شيء، من الصراع العربي الإيراني الى العلاقة مع المحيط العربي والغرب، وهو أضحى نتيجة ذلك منقسماً حول الدستور ونهائية الدولة المركزية والمدنية وطموحات الطوائف وارتباط كل ذلك بالفساد الإداري والإقتصاد الموازي. والحكومة في هذه الحال لا يمكن أن تكون إلا ساحة الإشتباك وتبادل الرسائل القاسية بين المكوّنات السياسية المنقسمة، كما بين منظومة السلطة وأذرعها في الإدارات والمؤسسات من جهة والحراك الذي يفتقد جمهوره أي شكل من أشكال المشاركة في الحياة العامة من جهة أخرى.

لقد أفردت الحكومة الفقرة الأخيرة من البيان الوزاري، وقبل «إلتماس المثول» أمام المجلس النيابي، للإشارة وباللغة الضعيفة الخالية من أي ريادة للحياة الوطنية، الى أنها ستعمل على إعداد مشروع قانون للإنتخابات النيابية يعكس تلاقي اللبنانيات واللبنانيين في الساحات ويلاقي طموحاتهم. كان ممكناً لهذه الفقرة بما تعنيه من إعادة إنتاج للسلطة التشريعية التي يجمع اللبنانيون أنّها فقدت شرعيتها أن تتصدّر البيان الوزاري لا أن تُقدّم بهذا الخجل وكأنّها تمرر خلسةً، بل أن تكون الأيقونة التي تجعل من البيان المذكور، في ظلّ كلّ هذا التردي في الحياة الوطنية، أكثر من واجب مستحق على الأجندة الدستورية. 

إنّ قدرة الحكومة على أقرار قانون جديد للإنتخابات لإعادة انتاج السلطة، دون كل ما ورد، هو ما يمكن أن يخرج الفقرات الإثنتي عشرة من صيغة الوصايا الى صيغة صناعة القرار، وهو ما يمكن أن يجعل من دولة الكاهن رئيساً للحكومة.  

مدير المنتدى الاقليمي للإستشارات والدراسات



أخبار ذات صلة

29-10-2020
الرئيس عون مستقبلاً الوفد الروسي في قصر بعبدا (تصوير: دالاتي ونهرا)
مداورة رئاسية للحقائب السيادية.. وتدوير زوايا الخدماتية في المرحل الأخيرة
رحمة للعالمين.. لا لصغار الحاقدين!