بيروت - لبنان 2020/03/30 م الموافق 1441/08/05 هـ

صار الوقت

حجم الخط

طوارئ أو لا طوارئ ربما نصف طوارئ. تماماً كما في السياسة، نصف دستور وأحياناً أقل، ونصف سياسة بأسماء مستعارة تعايش وحقوق طوائف أو تنوّع واختلاف ثقافي، لتجميل بدائيتنا ومذهبيتنا البغيضة. وفي الإنتماء نصف عروبة سميّناها في الماضي لبنان ذو وجه عربي حرصاً على خصوصيّة الكيان، مفهوم غريب لا مكان ولا معنى له لا في علم الإجتماع ولا في علم السياسة. وبعد الطائف نصف عروبة، وحنين دائم لحقوق مسلوبة، أخذ مدّعوها الوطن الى الضفة الأخرى من الخليج فأغرقوه وغرقوا معه في جمهورية تطبّق عليها خصوصياتها المذهبية والقومية فتستنفرها في كلّ إتّجاه.

مسلسل العميل عامر الفاخوري منذ استحضاره الى لبنان وحتى إطلاق سراحه لم يكن سوى فصلاً مخزيّاً من فصول المقامرة بكل شيء حتى كرامة اللبنانيين. ردود الفعل الشعبية على حضور العميل الى لبنان لم تعنِ شيئاً لمن واكبوه وأطلقوا سراحه فيما بعد. اعتقدوا أنّ قدرتهم على إسكات الجمهور المذعن دائماً وتوجيه الغضب باتّجاه آخر لا زالت قائمة، وربما فاتهم إعادة تقييم الظروف الإجتماعية والإقتصادية والصحية للجمهور الذي اعتادوا إذعانه. ولا لزوم للتذكير بالمواقف التي صدرت من داخل جمهور حزب الله وحلفائه الذين اعتادوا المجاهرة الفاقعة بولائهم وتشويه الحجج لخدمة حزب الله، هؤلاء صعقهم إخلاء سبيل الفاخوري بل وهالهم أن تؤدي أيّة مساومة إيرانية أميركية في سبيل التهرّب من العقوبات أو خدمة  أي جنوح رئاسي محلي الى التضحية بما يعتبرونه إرثاً لا يمكن تعويضه. الإفراج عن العميل الفاخوري هو أحد تجليّات أنصاف القرارات وأنصاف الخيارات في الإنتماء والسياسة والسيادة، ولن تتمكن كل الخطب ومطلقيها وكل عناوين الإتهام والتبرير والتخوين من إعادة عقارب الساعة الى ما قبل إطلاق سراح الفاخوري. 

إطلاق الفاخوري أسقط مرحلة برمّتها ليس بالمعنى الزمني بل بالمعنى الوجداني وأسقط معه كلّ العناوين الجاذبة بما فيها تلك القائمة على نظرية المؤامرة الأميركية والتحرير والممانعة التي ألهبت الشارع  لعقود، أسقطها إلى غير رجعة وأسقط معها كلّ أوراق التفاهم بأشخاصها وعناوينها.

سقوط نصف الدولة المتبقّي قدّم له أول من أمس برنامج «صار الوقت» على شاشة الـ MTV، بإطلاقه حملة تبرعات لتعزيز القدرات الطبية لمواجهة أزمة كورونا. إندفع اللبنانيون لإنقاذ لبنان، وشرطهم الأساس عدم إشراك أجهزة الدولة في إدارة أموالهم وتقديماتهم العينيّة، بما يعني رفضهم التام لكلّ ما يمتّ لنصف الدولة المتبقّي بصلة. هم يدركون أنّها اقترضت أموالهم من المصارف ونهبتها، وهي التي تدفعهم اليوم لمواجهة المصارف، وهي التي تريد الاستمرار بالضغط لسلب ما تبقّى من مدخراتهم دون أن تمتلك الجرأة والقدرة على وقف الفساد. المصارف التي يُلقي السياسيون عليها تبِعة الأزمة المالية كانت أول من بادر الى دعم المؤسسات الصحيّة الحكومية. بدورهم الصناعيون الذين لم يستطع نصف الدولة حماية منتجاتهم في وجه التهريب المنظم، وكذلك التجار الذين يتعرضون لمضاربة البضائع المهرّبة من المعابر الشرعية وغير الشرعية كانوا في طليعة المتبرعين لتعقيم السجون والمنازل وتقديم الحصص الغذائية والأسرّة وسيارات الإسعاف وسواها.

انكفأ سياسيو الصف الأول ورموزهم عن أي شكل من أشكال المساهمة في التبرعات، وعلى العكس من ذلك شنّت مجموعة من الأبواق حملة عنيفة على المتبرعين دون أي حساب لكرامة اللبنانيين الخائفين والمدركين لضعف دولتهم وارتباكها. وحده رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط امتلك الجرأة الأدبيّة وبادر الى المساهمة بعد أن أخذ على عاتقه تحصين الجبل وراشيا وحاصبيا، متجاوزاً جغرافية زعامته باتّجاه الصليب الأحمر الدولي ومستشفى رفيق الحريري الجامعي. شجاعة جنبلاط التي جعلته سابقاً يطوي أكثر من صفحة مؤلمة من عودة المهجرين الى مصالحة الجبل مع البطريرك صفير متحمّلاً المسؤولية ومعترفاً بأنه جزء من سلطة سياسية يجب أن تُحاسب، دفعته هذه المرة للدعوة الى وقف كلّ المزايدات السياسية والإنضمام وتغليب حماية لبنان على كلّ شأن آخر. اندفاعة جنبلاط قوبلت بإحجام المستفيدين من مليارات وزارة الطاقة التي شكّلت أكثر من 45% من الدين العام أو من التهرّب الضريبي وتسيّب الحدود، أو من شركاء صفقات وزارة الإتصالات عن المشاركة في التقديمات.

الانهيار في نصف الدولة المتبقّي كان في ما أدلى به وزير الصحة الأسبق غسان حاصباني حول قروض وتقديمات للمستشفيات الحكومية بقيمة 150 مليون دولار، 30 مليوناً منها قدّمت من البنك الإسلامي لتجهيز وتطوير غرف الطوارئ وغرف العناية المركّزة كان من المفترض أن تُصرف خلال العام 2019، و120 مليون دولار خصّصت 36 مليون دولار منها لزيادة قدرات المستشفيات على إجراء الفحوصات الخارجية بما يتوافق مع تطبيق البطاقة الصحية، و84 مليون دولار لتطوير وإنشاء مراكز الرعاية الصحية المنتشرة على كلّ الأراضي اللبنانية. المذهل في الموضوع أنّ وزير الصحة السابق جميل جبق المنتمي لحزب الله لم يلتزم قرار مجلس الوزراء وبقيت الأموال مجمّدة لأن الوزير يرفض الالتزام بشروط الجهات المانحة وهي إلزامية وجود جهة مستقلّة للرقابة واشتراط الجهة المانحة إنفاق 7 ملايين دولار على البنيّة التحتية المعلوماتية للمستشفيات. غياب المصلحة الوطنية في قرارات وزارة الصحة لم يقتصر على ما قدّمه الوزير حاصباني، فالوزير الحالي بدوره ولأسباب مجهولة، لا يسمح بدخول آلاف فحوصات الكورونا السريعة للمباشرة باستخدامها علماً أنّ هذه الفحوصات تستخدم في أكثر من بلد متطور وحائزة على مواصفات إدارة الغذاء والدواء(FDA).

المشهد الذي قدّمه «صار الوقت» جعله أكبر من عنوان لمساحة رأي تقدّمها محطة تلفزيونية، إنّه مشهد لتخلّي المجتمع برمّته عما تبقّى من الدولة، ومؤشّر لاستحالة استمرارها بعد أن افتقدت عمقها واقتصادها وتنوّع نُخبها. نصف دولة لم ترتقِ العلاقات بين مواطنيها الى مستوى القانون بل استمرت تعيش على روابط عائلية وأهليّة وإرث سياسي يقتات من بداوة، يستحضرها في كلّ حين، قضت على أي إمكانية لنشوء علاقات مواطنة وقيام مؤسسات.

ما تبقّى هو دولة الوقت المستقطع ما بين إعلان إنهيار طبقة سياسية مترهلة صار وقت رحيلها، وقد فقدت بريقها وسئم اللبنانيون كلّ عناوينها حتى المقدسة، وما بين انطلاق مسار ملء الفراغ وتكوين سلطة جديدة سيحدّد لبنانيو «صار الوقت» شكلها ودورها.


* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات

Twitter: @KMHamade

khaledhamade@rfcs-lb.org



أخبار ذات صلة

تسجيل 100 إصابة جديدة بفيروس كورونا في إسرائيل ليرتفع مجمل [...]
مرتضى يدعو المزارعين الى النزول الى الحقول واللبنانيين الى زراعة [...]
اتّهام خطير من بيلوسي إلى ترامب.. كيف تسبّب في فقدان [...]