بيروت - لبنان 2020/10/21 م الموافق 1442/03/04 هـ

صراع فوق رأس الحاكم

حجم الخط

«ما قبل زيارة  دوروثي شيا  وما بعدها» مشهديّة تضاف الى  أدبيات السياسة في لبنان للدلالة على التراجع بالإكراه عن موقف اتّخذه حزب الله . كلّ المداخلات التي استندت لقانون النقد والتسليف حول خيار إقالة حاكم مصرف لبنان، وكلّ جهود المتدخّلين للتحذير من نتائج هذه الخطوة، بما فيها كلام صاحب الغبطة الكاردينال بشارة الراعي، لم تكن لتوقف قرار حزب الله الذي عزمت على تنفيذه الحكومة المجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية. وحدها زيارات سفيرة الولايات المتّحدة وما همست به كان كفيلاً بإلزام أصحاب القرار بالتراجع عنه. جسامة التراجع عن القرار تأتي بعد مرور أسابيع على قرار إطلاق العميل الإسرائيلي عامر الفاخوري الذي قالت عنه السيدة شيا في تغريداتها أنه أقنع الكونغرس بوقف بعض الإجراءات بحق لبنان. جولة جديدة بحق القطاع المصرفي يخسرها فريق حزب الله مع رئيس الجمهورية بعد إلغاء مدّعي عام التمييز قرار القاضي علي ابراهيم بحق المصارف.

لقد دعا رئيس الحكومة حسان دياب حاكم مصرف لبنان بعد جلسة الفشل في الإقالة، للخروج ومصارحة الناس، متناسياً أنّه ممنوع على  حكومته، هذا إن تجرأت، مصارحة الناس لماذا لم يتمّ لغاية الآن وقف الهدر في ملف الكهرباء الملتصق بالعهد ووزيره الأول جبران باسيل. ملف يُمنع التطرّق إليه في جلسات مجلس الوزراء إلى جانب ملف شركات الهاتف الخليوي التي تذهب عائداتها الى رواتب أكثر من ألف موظف لا يعملون، هم حصيلة توظيف سياسي تمّ كمقدّمة وكنتيجة للتسويّة الرئاسية، ودون إسقاط ملفات الحدود السائبة والتهرّب الضريبي والأملاك البحرية وسواها مما يعرفه اللبنانيون عن ظهر قلب.

تحوّلت الحكومة المستنفرة برئاسة رئيس الجمهورية إلى هيئة إتّهامية تستجمع كلّ ما يوحي بامتلاك القدرة على إطلاق الأحكام واتّخاذ الإجراءات التأديبية، وزراء ورؤساء أجهزة ومجالس رقابة وتفتيش، ومشاريع لجان ومشاريع قوانين يعج بها جدول الأعمال. هذه المنازلة التي يقودها رئيس الجمهورية مستظلاً الحكومة ويسعّر نارها حزب الله بمواجهة خصوم إنعدمت فرص بناء الجسور معهم، تعبّر عن إلتقاء مصالح بين حليفين لا يمتلكان شروط ومواصفات متكافئة. 

الفوز برأس حاكم مصرف لبنان من منظار رئيس الجمهورية هو جزء من الثأر من حقبة مضيئة ارتفعت على أنقاض جمهورية انتهت صلاحيتها، وقادها لبنانيون لا يقرّ الرئيس ميشال عون بدورهم بل يعتبره إنقلاباً على ما هو حق تاريخي لطائفة دون سواها. لذلك فالمنازلة بوجهها اللبناني الضيق تعبّر عن عداء تاريخي يمارسه رئيس الجمهورية، من موقع متخَيل كوريث للجمهورية الأولى. هذه الجمهورية التي كان هو آخر حكامها وأغرقها في ما ليس لها قدرة على احتماله قبل أن تُدفن على يديه. لذلك هو يتلذّذ، من موقع الشعور بالذنب وربما من موقع الثأر، بسقوط عروبتها على يدّ الجمهورية الإسلامية، ويتلذّذ باستباحة حدودها لأنّ سكان الأقضية الأربعة الذين ضمّوا الى جبل لبنان أفسدوها صفاء عرقها، وهو يضيق ذرعاً بانفتاح أبنائها الذين حملوا رايتها واستشهدوا في سبيلها وهم بالنسبة له إضافة غير نوعيّة ولا يحق لهم الريّادة، وربما يذهب الى أبعدّ من ذلك لنغرق في غياهب صراع القائمقاميتين وما قبلها ونلامس دالة لويس الرابع عشر «أنا الدولة والدولة أنا». 

في حين أنّ رأس حاكم مصرف لبنان، بمنظار حزب الله، هو هدف آخر لسياق مختلف لا يعير الإهتمام لمن يتصدّر واجهة الجمهورية المتداعيّة. إستفاد حزب الله من إمعان رئيس الجمهورية بإضعاف موقع رئاسة الحكومة، حيث لا يمثّل الرئيس دياب سوى تفصيل بسيط بمتناول رئيس الجمهورية وتحت سيطرته، وذلك بعد أن تحوّلت رئاسة الجمهورية الى إحدى الدوائر في هرميّة حزب الله التنفيذيّة المنوط بها التعاطي مع اللبنانيين الذين يطبّق عليهم القانون. لا يمكن قراءة تصعيد حزب الله وإصراره على امتلاك القرار المصرفي من خلال التحفيز على إقالة سلامة ثم التراجع إلا من ضمن إظهار القدرة على امتلاك ما يكفي من أوراق للتفاوض مع  واشنطن حول تخفيف الطوق عن الحزب، وتحرير بعض القروض للبنان دون الإلتزام بالإصلاحات. 

وبهذا المعنى يندرج الضغط على حاكم مصرف لبنان كجزء من مسلسل التصعيد واستدراج عروض التفاوض الذي تنفذه إيران، والذي توالى فصولاً من المناوشات البحرية الإيرانية للبوارج الأميركية في الخليج الى إطلاق القمر الإصطناعي العسكري الذي يسمح للصواريخ الإيرانية البالتسية ببلوغ أهدافها بدقة، والذي تسبب بردود فعل أوروبية ليست في صالح طهران، وحتى إعلان تأسيس الجيش الإسلامي للمقاومة للعمل في العراق بعد مئة يوم على سقوط قاسم سليماني، والذي يتشكّل من مجموعات منتقاة من ميليشيات إيرانية من بينها لواء بدر وحزب الله وعصائب أهل الحق والنجباء وسواها، وعلى أن يتولى قيادته ضابط من الأحواز من أصل عربي، بما يوحي أنّ لهذا الجيش دوراً خاصاً. الإستجابة الأميركية تبدو معدومة حتى الآن مما يوحي بأنّ دائرة التصعيد تتّجه نحو التوسع.

يتقاطع موروث رئيس الجمهورية مع طموحات حزب الله هذه المرة حول رأس حاكم مصرف لبنان. ففي حين يرى الرئيس ميشال عون في إقالة رياض سلامة فصلاً  من ثأرٍ تاريخي حدّه السياسي إتّفاق الطائف وعمقه التاريخي إمارة جبل لبنان،  ينظر حزب الله من خلال الفوز برأس الحاكم الى ما بعد الحدود التي استباحها في جمهورية بعد أن أسقط الجشع والغباء حكامها.

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات

Twitter: @KMHamade

khaledhamade@rfcs-lb.org



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 21-10-2020
21-10-2020
بين التكليف والتأليف قلوبهم على جيوبهم..!