بيروت - لبنان 2021/03/06 م الموافق 1442/07/22 هـ

طبول حرب إسرائيلية – إيرانية تقرع على مسامع اللبنانيين

حجم الخط

من هو المنتصرُ الحقيقي حتى الآن في المذبحة القائمة والمستمرة على مجمل الساحة السورية منذ حوالي الثمانية أعوام، حتى لتحولت بصورة تدريجية من ثورة على النظام الدكتاتوري والممسك بخناق سوريا والسوريين، إلى عمليات إبادة جماعية وتهجير نصف الشعب السوري وتدمير ممنهج ومستمر لمناطق شاسعة بمدنها وقراها، وما زالت سوريا منذ ثماني سنوات مسرحاً انتقل فيه دور «البطولة» من النظام السوري ورئيسه المستأسد بالإمساك بمقاليد الحكم والسلطة، إلى دور الكومبارس العامد إلى تسليم بلاده وشعبه تدريجيا إلى كل من إيران وملحقاتها الميليشياوية المختلفة، وصولا إلى روسيا البوتينية، وقد تسلم الإيرانيون والروس مقاليد ذلك البلد المنكوب عن سابق تصور وتصميم، حيث تعددت التفسيرات والتبريرات التي أوصلت روسيا إلى قمة الحكم والتحكم وإلى هذه الدرجة من التمكن والإقتدار على الإستئثار بصورة كاملة وشاملة، بسوريا وأرضها ورقاب شعبها، وأصبح النظام السوري مجرد بوق إعلامي، يطبّل ويزمّر لإنتصارات ينسبها إلى نفسه، وهي في الواقع المرير، روسية الطابع والأداء والإنجاز، وقد نشأت بهذا الخصوص تفسيرات واجتهادات متناقضة، بعضها، يفسّر الإقتحام والإحتلال الروسي الذي طاولت به زعامةُ الرئيس بوتين الطموحة، ذلك الموقع السوري الإستراتيجي الذي لطالما كان لمورّثه الإتحاد السوفياتي فيه نصيب جعل من سوريا أميل إلى روسيا من الميل إلى الغرب، فضلا عن نشأة جملة من المطامع والمطامح عميقة الجذور في ثروات سورية قديمة الوجود وأخرى حديثة الإكتشاف والنشأة، إضافة إلى رغبة روسية باعتماد الأرض السورية مركزا محوريا لطموحاتها الإستراتيجية والإقتصادية في المنطقة، وتجسد ذلك خاصة بإنشاء جملة من القواعد البحرية والجوية في أماكن مختلفة من الأراضي السورية التي أشبعها الإقتحام والإحتلال الروسي قتلا وتدميرا وتهجيرا وطمعا في أن تكون روسيا البلد الذي سيعيد إعمارها وسينعم بوضع اليد على بوادر ثروتها البترولية والغازّيةَ المتوقعة. 
وهناك تفسير آخر مناقض تماما للتفسير السابق. هذا التفسير ينكر أن تكون روسيا تستهدف ما ينسب إليها من نزعة إقتحامية إستعمارية ترمي إلى استباق الآخرين على وضع اليد على الثروات التي تنبىء عن وجودها، الاكتشافات الجديدة لجملة من الثروات التي يعج بها باطن الأرض السورية، كما ينفي استهدافات الإستحصال على مواقع استراتيجية في المنطقة تكللت مؤخرا بالقواعد العسكرية البحرية والجّوية التي أرستها روسيا على الأرض السورية. ما يجري في هذه الأيام في هذه المنطقة، انما يجيء نتيجة لصراع حادٍّ ومتأزمّ ومتراكم في إطار دولي متشعب عن جملة من التصرفات الغربية التي طاولت روسيا، وهي مستمرّة منذ زوال الإتحاد السوفياتي الذي انهار نتيجة لجملة من الحروب الصغيرة والمتتالية والمتراكمة والتي اتخذت بصورة خاصة وجوها إقتصادية، وقد طفت في بعض الأجواء جملة من الإنتقادات والإتهامات الروسية، طاولت بصورة عملانية الدول الغربية عموما والولايات المتحدة خصوصا، معربة عن احتجاجها الشديد تجاه تدخلات الغرب الدائمة والمتفاقمة في عدد من مناطق العالم في العراق وليبيا، متمثلة بصورة خاصة في الإجراءات الدفاعية والعسكرية التي احاطت بها بعض البلدان التي كانت تشكل جزءًا من بلدان الإتحاد السوفياتي القديم، وكما وفي الحروب الإقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي تقودها الولايات المتحدة في روسيا ومن حولها حيثما تيسرت لها ظروف ملائمة لإيقاع الأذى الإقتصادي الموجع خاصة وأن روسيا تعاني من وضع إقتصادي ونقاط ضعف إنمائية ومناَفسَةٍ شديدة على عمليات بيع السلاح إلى دول العالم الثالث، الأمر الذي دفع بروسيا إلى التحاسب الحادّ والشرس مع الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، على مجمل هذه الأوضاع العدائية بحقها، ويبدو أنها مصممة على أن يكون هذا التحاسب، مفتوح المدى على الأرض السورية، جاعلة من سوريا وملايين الضحايا السوريين كل الحلول السياسية التي يُزْعم أن هناك سعي إليها، وهي في واقع الحال، تتخذ من الشعب السوري وأمنه واستقراره هدفا مستمرا لعرض عضلاتها ولإبراز ما يمكن أن تقوم به في وجه العالم عموما وفي وجه الدول الغربية خصوصا، معتبرة أنها بذلك ستحفظ لنفسها موقعا دائما في الأماكن العليا التي تجلس فيها وتتشارك قولا وفعلا مع القوى الممسكة من بمفاتيح العالم، ومن يدفع الثمن المرعب حتى الآن هو الشعب السوري المعذب والمشرد والمهدد بوجوده ومصيره . 
وهناك أكثر من متهم بإيصال الوضع السوري إلى هذا الحد المتفاقم: الرئيس الأسد وزبانيته إضافة إلى المعارضة السورية التي يتهمها البعض بأنها لم تحسن قيادة ثورتها حيث تفرقت قياداتها إلى عشرات القيادات التي تصارع بعضها بعضا لأسباب متناهضة ومتناقضة، وكلا الأمرين صحيح، ولكن بحدود، ذلك أن الوضع السوري القائم قد بات صراعا دوليا فشلت كل المساعي في تلطيف التهاباته والتخفيض من حماوة الرأس الروسي المصمم على إثبات وجوده من خلال هذه الفرصة التي أتاحها له الرئيس الأسد منذ أن سافر وحيدا إلى روسيا وسلم بوتين مفاتيح سوريا أرضا وشعبا ومؤسسات.
وفي الأبواب الدولية الموصدة، تتم مباحثات تسيطر عليها حتى الآن الإدارة والإرادة الروسية وحتى الآن... تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة ما فقدته من فُرصٍ وامكانيات، وها هو نتانياهو يحاول إلهاب المنطقة بأخذ الصلاحيات لنفسه ولوزير دفاعه في إعلان الحرب مع إيران، الأمر الذي قد يؤدي بالنتيجة إلى إعادة لبنان مجددا إلى عين العاصفة، من خلال قرع طبول حرب إسرائيلية – إيرانية على مسامع اللبنانيين. 

المحامي محمد أمين الداعوق
daouknet@idm.net.lb 



أخبار ذات صلة

تكتل «الجمهورية القوية» يسلّم سفير روسيا نسخة عن كتاب المطالبة [...]
حتّى إشعار آخر.. إسرائيل تؤجّل تطعيم العمّال الفلسطينيّين ضدّ «كورونا»
دولار السوق السوداء يتخطى الـ ١٠ آلاف ليرة.. كم بلغ [...]