بيروت - لبنان 2019/07/23 م الموافق 1440/11/20 هـ

عقيدة ترامب في مواجهة إيران

حجم الخط

في تطور مفاجئ أعلنت إدارة ترامب بأنها تنشر حاملة طائرات مع مجموعة بحرية مرافقة لها بالإضافة الى جناح جوي من القاذفات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك رداً على مؤشرات وانذارات صادرة عن إيران بعد سلسلة من القرارات الدراماتيكية التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب لتشديد العقوبات على طهران، بإلغاء كل الإعفاءات الممنوحة لعدد من الدول، ومنها الصين والهند لاستيراد النفط الإيراني. بدأت جهود ترامب لفرض حالة من العزلة السياسية والحصار الاقتصادي على إيران السنة الماضية، وذلك بعد القرار الأحادي الجانب بالانسحاب من الاتفاقية النووية التي جرى توقيعها في عام 2015 بالاشتراك مع القوى الدولية الأخرى. 

شرح جون بولتون مستشار الامن القومي باقتضاب أسباب نشر هذه القوة البحرية والجوية الضاربة بقوله: «أنها تشكل رسالة واضحة وجلية للنظام الإيراني بأن أي هجوم ضد المصالح الأميركية أو ضد مصالح حلفائنا سيواجه بقوة قاسية وصارمة». 

وأضاف بولتون:«لا تبحث الولايات المتحدة عن خوض حرب مع النظام الإيراني، ولكنها مستعدة كل الاستعداد لمواجهة أي هجوم يشنه حلفاء إيران أو الحرس الثوري أو القوات المسلحة الإيرانية». وكان وزير الخارجية مايكل بومبيو قد شرح الأسباب من فنلندا بقوله:«لقد تابعنا تحركات إيرانية تدفعنا لاعتقاد بوجود نوايا للتصعيد ونحن نأخذ كل التدابير الضرورية من وجهة النظر الأمنية ومن وجهة تأمين سلسلة واسعة من الخيارات للرد على أي تطورات يمكن أن تحدث».

كانت وسائل إعلام إيرانية رسمية ذكرت بأن إيران سوف تستأنف برنامجها النووي المتوقف، رداً على انسحاب أميركا منه، وبأن الرئيس حسن روحاني سيعلن أن إيران ستقلص بعضاً من تعهداتها في الثامن من أيار، أي بعد عام من قرار ترامب الانسحاب منه. ويأتي هذا الإعلان بعد خيبة الأمل الإيرانية من وعود الدول الأوروبية بوضع نظام تعاون يخفف من مفاعيل العقوبات والضغوط الأميركية على إيران.

يأتي الحشد العسكري ذو الطابع الاستراتيجي في سياق التصعيد القائم بين طهران وواشنطن، والمستمر منذ الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، والذي ارتفعت وتيرته مع قرار ترامب بمنع تصدير النفط الإيراني، الأمر الذي واجهته القيادات الإيرانية بإصدار تحذير بإغلاق مضيق «هرموز» لمنع تصدير نفط الآخرين عبره، إذا ما جرى منعها من استعماله. وجاء ذلك في أعقاب إعلان ترامب نيته لوقف الصادرات النفطية الإيرانية بالكامل.

في رأينا لا بد من النظر الى هذا الحشد الأميركي الاستراتيجي من ضمن عقيدة ترامب والتي كان قد شرحها بومبيو في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» في تشرين الثاني عام 2018 تحت عنوان «مواجهة إيران: استراتيجية إدارة ترامب»، حيث رأى بأن ترامب لا يسعى للدخول في مغامرة عسكرية طويلة في الشرق الأوسط أو في أي منطقة أخرى، ولكن ذلك لن يمنعه من اتخاذ قرارحاسم بالتدخل عسكريا إذا ما دعت الحاجة.

يبدو بوضوح أيضاً أنه في ظل العقيدة المعتمدة من قبل ترامب والتي ظهرت ملامحها إبّان زيارته الأولى الى المملكة العربية السعودية وتعهده بتقديم الدعم غير المحدود لها ولدولة الامارات المتحدة في مواجهة التمدد الإيراني في الخليج وفي اليمن، بما في ذلك التأكيد على عدم وجود أي نية لتغيير الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، سواء في الخليج او في العراق. ويأتي هذا الانتشار البحري والجوي الجديد في إطار الحاجة لتقوية قوة الردع الأميركية في المنطقة والحرص على تحذير إيران من ارتكاب أي مغامرة جديدة مباشرة أو بالوكالة. في تقييم إدارة ترامب لسياسات إيران خلال أربعة عقود ترى الإدارة بأنها قد أدت الى زرع حالة من عدم الاستقرار في عدد من الدول العربية، وإلى حرب طاحنة في اليمن وسوريا، وبأن الاتفاق النووي مع القوى الدولية لم يغير في سلوكيتها، وبأنها مستمرة في نهجها العدائي للولايات المتحدة ولدول الجوار ولإسرائيل، وبأنه لا بد بعد إلغاء الاتفاق النووي من تطبيق ضغوط متنوعة ضدها وضد كل أدواتها بما في ذلك حزب الله والحرس الثوري، بعد تصنيفهما كمجموعتين ارهابيتين.

وكانت الإدارة الأميركية منذ بداية عهد ترامب قد اعتمدت استراتيجية متناقضة كلياً مع استراتيجية أوباما، وهي تعتمد على فرض الحصار الاقتصادي على إيران بالإضافة إلى عامل الردع العسكري حيث تتوعد إيران بجهوزيتها التامة للقيام برد الفعل العسكري المناسب على أي تهديد للمصالح الأميركية او لمصالح حلفائها. وعبّر ترامب شخصياً عن هذا القرار في تغريدة في تموز 2018 وجهها للرئيس روحاني ينصحه فيها بعدم اللعب بالنار بالقيام بأي اختبار للقرار أو للقوى الأميركية المنتشرة في المنطقة. يبدو أن ترامب يعمل على تركيز استراتيجية في مواجهة إيران مستندًا على نظرية الواقعية السياسية بمبادئها الستة، والتي شرحها هانز مارغنتاو، وأبرزها مبدأ تبادل المصالح مع الحلفاء، بحيث تشكل المبادلة بينهم الجوهر الفعلي للسياسة ويقول ثوسيديدس انطلاقاً من التجارب اليونانية القديمة بأن تلاقي المصالح يشكل أفضل وثاق يجمع بين الدول أو الأفراد.

من هنا يريد ترامب تكريس استراتيجية قائمة على تبادل المصالح مع الدول الخليجية ومصر والأردن مع دعوتهم لتحمل المسؤولية وتبادل الغنم والغرم. وسيشكل قرار الانتشار البحري والجوي الجديد تعبيراً جدياً عن إرادة ترامب في دعم المباشر من خلال زيادة الضغوط على القيادة الإيرانية اقتصادياً وعسكرياً لدفعها لتغيير سلوكيتها وتخليها عن دور الدولة المارقة والعودة للاصطفاف تحت مظلة القانون الدولي.







أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 23-7-2019
الحريري يدعو لعقد جلسة لمجلس الوزراء الخميس
شعارات الإصلاح ومكافحة الفساد باتجاهات محدَّدة تخفي وراءها نوايا مبيّتة