بيروت - لبنان 2018/10/21 م الموافق 1440/02/11 هـ

عميد «اللواء» في ذكراه الأولى

حجم الخط

يا عميدنا الغالي،
غادرتنا إلى دنيا الحق ونحن بأمسّ الحاجة إلى حكمتك وتبصرك ورؤيتك، في التعاطي مع أحوال الوطن المتعثرة، ومع أزمات المنطقة المتوترة، وسماع ما كنت تردده بضرورة أخذ الأمور بروية وتعقل، بعيداً عن التطرّف والمزايدات. 
غادرتنا إلى عالم الملكوت الأعلى، حيث لا ظلم ولا ظلامة، لا فساد ولا فاسدين أو مفسدين، لا رشوات ولا راشين أو مرتشين، ولا تفريق بين بني البشر والتمييز، حيث يقف الجميع أمام العدالة الإلهية وكلٌ كتابه في يمينه، ليُحاسَب على ما أقترف من ذنوب ومعصيات، أو ليُجزى بما قدّمت يداه من خير لإخوانه في الدين والمجتمع، وبما كان قد التزم من أصول الإيمان، وما تمليه عليه من تفاعل إيجابي وأخلاقي مع مجتمعه، وإخوانه في الإنسانية.
غادرتنا والقلق ينهش تفكيرك على الوطن الذي ما زال يبحث عن استقراره المفقود، وينتظر ازدهاره الموعود، ويسعى لتثبيت أمنه المهزوز، والخروج من دوامة الانقسام الممجوج، ليبقى أمـلاً للشباب وللأجيال الصاعدة، والوصول إلى المراتب الواعدة.
ولكن للأسف، ما زالت كل تلك الآمال مجرد تمنيات في الأفق البعيد، بل وتحوّلت إلى سراب في المستقبل القريب، لأن الأنانيات والمصالح الشخصية والفئوية ما زالت تتحكم بمعايير الحركة السياسية في البلد، وسط طوفان المزايدات وأساليب النفاق، والعودة إلى الخطاب الطائفي المقيت.
أما بيروت، حبيبتك الغالية، فما زالت تحاول مسح الإهمال عن جبينها الناصع، وتسعى لاستعادة نبض قلبها العامر، والتخلص من الشلل الذي تسببت به الاعتصامات من جهة، وسوء الإدارة من جهة ثانية، فضلاً عن التقسيم الانتخابي الذي أعاد شطرها إلى غربية وشرقية. ومع كل ذلك لم تفقد بيروت ابتسامتها، وتصارع للمحافظة على إشراقتها، وترتفع فوق جراحها، لتبقى هي العاصمة، هي الحاضنة لكل أبناء الوطن.
كانت عينك دائماً على الاقتصاد، من باب اهتمامك بلقمة عيش المواطنين، من أبناء الطبقة الوسطى والمحتاجين، ولا ضرورة لإبلاغك بأن التراجع الاقتصادي مستمر من سيئ إلى أسوأ، بسبب غياب المعالجات الجذرية، وتلهي الطبقة السياسية بالمحاصصة في السلطة، واللهث وراء المغانم بجشع لا يشبع.
أما فلسطين، عشيقتك الدائمة، فما زالت تنزف من دماء شبابها وشِيبها، ويُزج بنسائها وصباياها في غياهب السجون، والقدس تحوّلت مرتعاً لدولة الاحتلال بدعم من الحليف الأميركي البغيض، وأهل البيت الواحد ما زالوا على انقساماتهم وصراعاتهم، يشهرون خناجرهم على بعضهم، وسيوف العدو تمعن فيهم قتلاً وغدراً.
وأما الوطن العربي، الذي كنت دائم الحركة شرقاً وغرباً في بلدانه، وتعقد المجالس مع حكامه، فما زال أسير مرحلة الفتن والحروب المدمرة للبشر والحجر، حيث اختلط الحابل بالنابل، واستطاع أعداء الأمة أن ينفذوا إلى حيث ما طالما فشلوا في تحقيقه، وبات إشعال الفتن بين أبناء الوطن الواحد والدين الواحد، يماثل إشعال سيجارة نيرون يوم إحراق روما.
يا عميدنا الغالي،
غادرتنا وبالك مشغول على الصحافة في بلد الإشعاع، وعلى عزيزتك «اللواء» وما تعانيه في السنوات العجاف... نود أن نطمئنك بأننا، بإذن الله، مستمرون، وللعهد حافظون، وعلى منهجك في الاعتدال والانفتاح سائرون، وعلى مبادئك في الوفاء والأخلاق حريصون.
---------------
** صادف أمس ذكرى مرور عام على وفاة المرحوم عميد «اللواء» عبد الغني سلام.


أخبار ذات صلة

هل انتهت مرحلة: كلما داوينا جرحا، سال جرح؟
تشكيل الحكومة بين التعجيز والتسهيل
حكومة لبنان بين معبريّ القنيطرة وجابر نصيب