بيروت - لبنان 2018/11/14 م الموافق 1440/03/06 هـ

فوق الرهانات الخاسرة!

حجم الخط

لا تزال العقد الحكومية تُختلق من كل حدب وصوب كلما اقتربت الحلحلة، وقد بات واضحاً أنه لا تأليف إذا لم يكن بشروط فريق 8 آذار، مما يزيد من الضغط على الاستقرار الأمني من جهة والوضع الاقتصادي الحرج من جهة أخرى، من دون أن يظهر هذا الفريق أية مرونة أو تنازلات فعلية وليس بالشعارات كما جرت العادة منذ بدء رحلة التأليف. ولم يكتفِ هذا الفريق بهذا القدر من الضغط العبثي، بل حوّل بندقيته ليصوّب على مشاركة الرئيس الحريري في مؤتمر الاستثمار في الرياض لإفراغ الزيارة من أهميتها السياسية والاقتصادية، مكتفين بالنكت السخيفة والنوادر الفارغة... ولكن كل هذا لن يلغي جوهر هذه الزيارة ومدلولاتها بأن لبنان، على الرغم من تنوّعه الطائفي والسياسي، وبغض النظر من كل المحاولات لسلخه عن محيطه العربي وتعكير صفو علاقاته الأخوية مع الاشقاء العرب، إلا أن هذه المحاولات ذهبت أدراج الرياح، وبقيت الحاضنة العربية عامة والسعودية خاصة موجودة، لتؤمن الدعم السياسي لمساعي رئيس الوزراء بتشكيل حكومة متوازنة، قادرة على تأمين الحد الأدنى من التفاهم لتصل الى إنتاجية مقبولة، لا رحلة تعطيل وكيدية تضرب ما تبقى من مفاهيم مؤسسات الدولة.
إن دقة التوازن التي حافظت على تركيبة لبنان الفريدة لا يمكن أن يضربها اليوم شعور فائض بالقوة عند البعض، وعلاقات لبنان التاريخية بمحيطه العربي، مهما تعرضت لمطبّات حرص هذا البعض على افتعالها، فهي راسخة وأعمق من أن تشطب بلحظة معينة. 
أما اقتصادياً، فمدلولات هذا المؤتمر وموقع مشاركة الرئيس الحريري فيه، هما رسالة واضحة أن الدول الشقيقة ستبقى إلى جانب الوطن الصغير كما كانت في أحلك ظروفه، ولا مانع لعودة الاستثمارات والودائع الخليجية كما كانت دائماً من أهم ركائز الدعم لاقتصاد لبنان، تماماً كما تنتظر أموال سيدر ولادة حكومة على مقاس الوطن وليس على مقاس الزعماء، قادرة على اجراء الإصلاحات الضرورية لاستعادة الثقة الدولية بمؤسسات الدولة، حتى يعود لبنان على خارطة المنطقة الاقتصادية.
إن عودة الاستثمارات والودائع بحاجة لبيئة سياسية حاضنة وليس عدائية كما يحاول فريق أن يوحي، كما أن المساعدات بحاجة لحملة تطهير للمؤسسات من الفساد المستشري... وبغض النظر، كونك لبنانياً وطنياً، إن كنت تتفق مع الرئيس الحريري أو تختلف معه، أو كنت تؤيّد دول الخليج عامة والمملكة العربية السعودية خاصة أو تختلف معها، إلا أنه لمن المؤكد أنه لن يستطيع أي رئيس حكومة من فريق ٨ آذار أن يُرمّم العلاقات مع الدول العربية ويستعيد ثقة المجتمع الدولي كما يقدر الرئيس الحريري أن يفعل، لما يمثل من انفتاح واعتدال على نهج الرئيس الشهيد الذي لم تتلطخ مسيرته السياسية بالطائفية المقيتة يوماً.
فلمَن يُراهن على إحراج الرئيس الحريري لإخراجه، وعزل لبنان عن محيطه العربي فهو يُعيد عقارب الساعة إلى الوراء لإعادة لبنان تحت المطرقة الدولية وسندان الانهيار الاقتصادي الذي بات قريباً وليس بعيداً… في إعادة عبثية لدروس الماضي القاسية! 
فالحكومة المنتجة تخدم جميع اللبنانيين، والاقتصاد المزدهر يطال كل شرائح المجتمع، والعكس صحيح، الاقتصاد المنهار يسقط كل انتصارات السياسة على باب لقمة عيش المواطن.
 لقد حان الوقت ليفهم الجميع أننا إما نكسب لبنان معاً ونخسره معاً، بعيداً عن أوهام الانتصارات الدونكيشوتية!



أخبار ذات صلة

يا شعب لبنان العظيم لا أمل عندنا ولا مستقبل لنا. [...]
القبض على لبنان .. هل يحمي إيران؟
الخلل والإحباط في الشارع السنّي / ٣ المظلومية في السياسة [...]