بيروت - لبنان 2021/03/06 م الموافق 1442/07/22 هـ

في الجزائر: ينظفون شوارعهم بعد كل مظاهرة

حجم الخط

كلما داويت جرحاً سال جرح؟ 
هذا هو منطق الأحوال الهائجة المائجة التي تسود العالم العربي في هذه الأيام المظلمة والظالمة. ولنا في ما يدور في كل من سوريا وليبيا واليمن فضلا عن زوايا وخبايا جزئية هنا وهناك من هذا العالم العربي الذي دخل على حين غرّة في ما أُسمي «بالربيع العربي»، ولكنه سريعا ما خرج أو أُخرج منه، من شعلة الضوء شبه الوحيدة التي ما زالت شموعها مضيئة تتمثل ببعض ما هو حاصل في هذه الأيام «الربيعية» عن «حق وحقيق». 
تركيزنا في ما ذكرناه أعلاه على الجزائر، حيث الشعب كله بشيبه وشبابه ونسائه ومؤسساته ومعارضته الحزبية، يكاد أن يكون ساكنا في الشارع لا يكلّ ولا يملّ، ويظهر للعالم كيف تكون الإنتفاضة الشعبية جموعا مليونية حضارية ترفع راية «سلمّية» قولا وفعلا، وقد أدهشنا تكرارا، كيف أن فريقا متكاملا ومتزايدا من الشبان، أفرغ نفسه وأندفاعه، لتنظيف الشوارع والساحات من آثار مسيئة لنظافتها وسلامتها، حتى إذا ما قارنا ما يجري هناك بما قامت به أرتال المتظاهرين الفرنسيين بقمصانهم الصفراء، من أعمال تخريب وتحطيم وتكسير ونهب وسرقة في أرقى شوارع باريس والعالم، الشانزليزيه، أدركنا الفرق في المفهوم الحضاري والوطني والإنتمائي، وباتت لدينا الجرأة لنقول: أن أخوتنا المتظاهرين في مجمل مدن وقرى وشوارع الجزائر، باتوا على هذه الدرجة المتقدمة من الوعي والإدراك الوطني جعل من ملايينهم المحتشدة والمتظاهرة والمحتجّة والمطالبة بحقوق سلبها منهم حكام غاصبون يتحكمون بحياتهم ومستقبلهم وثروات بلادهم ومستقبلها على مدى عقود عديدة، أنزلتهم إلى درك التخلف والبطالة، ونزعت عنهم صفة المناضلين الأبطال التي أكتسبوها واستحقوها طوال وبعيد الثورة الجزائرية التي حررت بلادهم من آثار الإغتصاب الإستعماري الذي جعل من الجزائر جزءا ملحقا بالدولة الفرنسية لعقود عديدة من الزمن. الأغلبية الشابة من جزائريي هذه الأيام، ها هي وبعد أشهر من العواصف الشعبية الكاسحة في كل المدن والقرى والساحات والشوارع، تطيح ببوتفليقة الذي نصّبه النصّابون زعيما ورئيسا «لا يهش ولا ينش»، بعد أن طاوله المرض في حركته وفي إدراكه وحوّله إلى دمية يتلاعب بها من تشكل منهم نظام يخضع أقطابه في هذه الأيام اللاهبة إلى مساءلات ومحاسبات شعبية وقضائية، وبعض منهم بات قيد الإعتقال في سجون أبعدتهم عن قصورهم وثرواتهم المنهوبة. 
وها هو الشعب الجزائري، قد استعاد تآلفه مع الجيش الجزائري، مطلقا على أهل النظام الذي يكاد أن ينتهي بكل أدرانه بعد استقالة أو إقالة بوتفليقة لقب العصابة، وها هو يستعد، رغم كل تحفظات ومعارضات البعض، لانتخاب رئيس جمهورية مؤقت يعيد البلاد إلى طريق الحرية، ويحفظ للشعب كرامة أبنائه وثرواته، وقد أثبت لنا هذا الشعب الحيّ بالممارسة العملية والعملانية، أنه قادر على الحركة التلقائية المنظمة بعفويتها وسلامة اتجاهها وحفظ تحركاتها من المداخلات الأجنبية التي كثرت في الجسم الجزائري من خلال نهج النظام الذي بات يلفظ أنفاسه وأخذ شعبه يهيىء أبناءه لغد جديد، إرادتهم فيه هي السيد المطلق، من خلال استمرار مطالبه بوجوب الإطاحة بكل رموز الماضي التي ما زالت آثارها تناور وتحاول التشبث بما أمكنها من ثوابت الماضي المتهلهلة. 
نذكر في هذا السياق، تنبؤات خائبة لرئيس الوزراء الجزائري السابق المستقيل، كيف أنه حذّر من أن التحرك الشعبي الذي طاول الجزائر، قد يحولها إلى سوريا أخرى تسبح بدماء أبنائها، وقد خاب ظنه في ذلك التصور بصورة مطلقة، وذلك عائد لوحدة الهدف والموقف الجدّي الذي يتكون لدى الشعب الجزائري بأسره، ولكونه لم يقع بالنتيجة كما في سوريا، في فخ تتنافس فئاته وجهاته مدفوعة ومدعومة من قبل دول عديدة وتيارات عقائدية متطرفة وطروحات متناقضة، أدت إلى ذلك الشلل والخراب والتشرد الذي طاولها أرضا وشعبا ومؤسسات، وجعل منها دويلات وعصائب مشردة في أرض الله الواسعة، وما بين الجوار القريب والبعيد، مما ساعد النظام السوري القائم على ممارسة ديكتاتوريته ومظالمه متسلحاً بالعون الإيراني والروسي ولواحقهما الإقليمية، على النحو المعروف والمستمر. 
الشعب الجزائري ما زال متشبثا حتى الآن بمواقعه في الساحات والشوارع، وهو قد جنى نتيجة لذلك، ثمار نضاله الواعي والرشيد، جملة من المكاسب التي ستعيد له سيادته الكاملة على أرضه وعلى وطنه ومؤسساته رغم كل ما تبقى من مطبات ومن معيقات. لقد فعل ذلك وهو يكنس ساحاته وشوارعه بعد المظاهرات الحاشدة التي طاولتها بأيادي شبابه المتطوعين من أية آثار مسيئة قد تكون المظاهرات الحاشدة ألحقتها بساحاته وشوارعه، انها تجربة شبه مثالية أطلقها للعالم بأسره ويحق له أن يعتد بها وأن يفتخر. وإنها مناسبة لنتمنى لشعبنا بعض هذا الوعي الذي يمكننا بالنتيجة من تنظيف زوايانا وخفايانا في لبنان من كل أنواع الفرقة والفساد المستمر والمستفحل، بكل زواياه وخباياه الطافحة بالزبالة وبشتى أنواع القاذورات والمحظورات. 
daouknet@idm.net.lb


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 6-3-2021
إنقسام في أهداف مجموعات الحراك.. وأسماء «مدنية» جاهزة للانتخابات
التعقيد الحكومي يكشف مع جولات الحريري عن حقيقة الأزمة