بيروت - لبنان 2018/10/21 م الموافق 1440/02/11 هـ

قمّة هلسنكي والرهانات اللبنانية

حجم الخط

قد تكون المسألة الأبرز والأوضح التي تناولها الرئيسان فلاديمير بوتين ودونالد ترامب إثر انتهاء «قمّة هلسنكي» هي إعلان الخطوط العريضة لتنظيم النفوذ في سوريا. أول هذه الخطوط كان التاكيد على حصرية التعامل مع هذه المسألة بروسيا والولايات المتّحدة. إعطاء الأولوية في الكلام للرئيس الروسي وتوزيع العبارات والمسائل التي أُثيرت ضمن الملف السوري على كلّ من الرئيسين، بدى وكأنّه توزيع للمهام الملقاة على كلّ منهما. تولّى بوتين وترامب إيصال الرسائل الى من يعنيهم الأمر ضمن فريقه الإقليمي فيما تناول الجانبان القضايا المشتركة كلٌ على طريقته وبما يؤكّد على وحدة القرار حولها.  
أمن حدود إسرائيل أتى واضحاً على لسان الرئيس الروسي ليوجّه الى حلفائه سوريا وإيران ومنظومة الميليشيات التابعة لهما.  تكرار مضمون القرار الدولي ذي الصلة ضمن عبارة الرئيس بوتين «تكييف الوضع في مرتفعات الجولان بالتوافق التام مع الإتفاق المؤرّخ بالعام 1974 حول فصل القوات الإسرائيلية والسورية « هو ردّ دبلوماسي صارم وبعث للحياة في القرار الدولي 338  ، وهو قطع الشك باليقين بأنّ الوجود المسلّح الايراني في الجنوب السوري ليس من ضمن الخيارات المقبولة روسياً. مقررات هلسنكي كانت تتحوّل الى إجراءات ميدانية في سوريا قُبيل إنعقاد القمّة وبالتوازي مع إذاعة بيانهاحيث كانت القوات السورية تتقدّم بنجاح في القنيطرة للإمساك بالحدود والعودة الى ما قبل العام 2011 فيما كان الطيران الإسرائيلي يُغير على مطار النيرب العسكري في ريف حلب الشرقي لتدمير إحدى القواعد الإيرانية.
الرئيس ترامب بدوره تناول ما يمكن اعتباره الملف الأميركي بامتياز، وموجّهاً الكلام الى من يعنيهم الأمر من الحلفاء فأكد «بوضوح» أنّ الولايات المتّحدة لن تسمح لإيران بالإستفادة من الحملة الناجحة ضد تنظيم «داعش» في المنطقة. وأضاف في مجال إسقاط أي كلام عن الإنسحاب الأميركي من سوريا، إنّ العلاقات بين القوات المسلّحة للطرفين جيدة وأفضل من تلك التي  بين زعمائنا السياسيين. 
لم يعطِ أي من الرئيسين أي دور للأصدقاء الأوروبيين في سوريا حتى في الملف الإنساني ، بل تطرّق كلّ منهما وعلى طريقته الى التعاون بين البلدين على أنّه قد يصبح مثالاً للعمل الثنائي الناجح بين البلدين لتجاوز الأزمة الإنسانية في سوريا ومساعدة اللاجئين في العودة الى ديارهم الأم. الرئيس ترامب قال في هذا السياق: «إن التعاون بين بلدينا قد ينقذ حياة مئات آلاف الأشخاص. لو نستطيع فعل شيء من أجل مساعدة الشعب السوري وتقديم مساعدات إنسانية له، فأعتقد أن كلانا سنكون مهتمين جداً بذلك. إننا سنقوم بذلك».
لا يبدو الإستثمار في لقاء هلسنكي متاحاً، حتى المساحات الضبابية التي لم يتمّ التطرّق إليها والتي اعترف الرئيسان إنها تحتاج الى المزيد من اللقاءات، لم تبدُ متاحة لأي طموح خارج دائرة الكبيرين. يُدرك الرئيس الأسد موجبات العودة الى الجولان وتدرك الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها في لبنان أنّه ليس لدى الأسد ما يقدّمه، ففاقد الشيء لا يعطيه. وفي هذا الإطار فإنّ المراهنين في لبنان على متغيّرات في الإقليم لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، سواء من بوابة قضية اللاجئين السوريين أو من بوابة تكريس أعراف في الحكم من خارج الدستور، مدعوون لعقلنة خطابهم على مقاس هلسنكي. الحرب الباردة أعيد التأكيد على نهايتها بالأمس على لسان أولياء أمرها بوتين وترامب وأنّها أصبحت من التاريخ. النفخ في المزامير المحلية لن يُجدي سوى بالتسبّب بمأساة جديدة من جراء الرؤوس الحاميّة والأنظمة التابعة.
إنّ النظر ملياًّ الى خريطة العالم والشرق مطلوب وملحّ، والتوقف عن السير في طموحات أقل ما يقال فيها أنّها حراثة في البحر، ومحاولة اختلاق مثلثات إقليمية جديدة للتأثيرفي لبنان مطلوب بإلحاح أيضاً، كي لا يصحّ فينا المثل الروسي الثمين « القبر وحده يشفي الظهور المحدودبة»
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات
Twitter: @KMHamade
khaledhamade@rfcs-lb.org



أخبار ذات صلة

هل انتهت مرحلة: كلما داوينا جرحا، سال جرح؟
تشكيل الحكومة بين التعجيز والتسهيل
حكومة لبنان بين معبريّ القنيطرة وجابر نصيب