بيروت - لبنان 2019/11/21 م الموافق 1441/03/23 هـ

قيادة الحراك ضرورة لاستمراريته

حجم الخط

إختصرت ساحات الإنتفاضة على امتداد الأيام الإثنتي عشرة كل الحيوية أو ما تبقى من حيوية لبنانية، فنشاط جمهور الساحات لم يعدّ مقتصراً على النقاش السياسي الإقتصادي الإجتماعي الذي طبع الأيام الأولى للحراك. لقد أضاف النشاط الأكاديمي الذي نقلته كل من الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اليسوعية والجامعة اللبنانية - الأميركية، الى ساحات الحراك، رونقاً أكاديمياً ونسقاً من التفاعل بين طلاب العلوم الإنسانية في الجامعات وحقيقة ما يعانيه المواطنون، كما عبّرت الزيارات التي قام بها عدد من الأطباء والمحامين والفنانين لعدد من الساحات عن المزيد من الإحتضان والمشاركة. أجل في لبنان ليس هناك شيء خارج الساحات التي أضحت أمكنة للعمل والتعبير والتعارف والإندماج بين شرائح إجتماعية لم يسبق لها أن اجتمعت. وحدهم أقطاب ورموز السلطة السياسية غائبون عن الساحات التي طالما احتكروها، بما يعكس غربة أكيدة عن الواقع وانعداماً للقدرة على مواجهة الجمهور والتواصل معه. 

مع استمرار انكفاء السلطة عن المبادرة أمام هذا الواقع تتّسع الفجوة التي سببتها الأوضاع الصعبة والفشل الحكومي على كل المستويات المعيشية وحكايات الفساد التي لا تُخفى على أحد، ويصبح من المتعثّر أن تستعيد الحكومة القدرة على المبادرة والتواصل مع شعبها. إنّ القول أنّ الحكومة لن تبادر إلى القيام بأي إجراء قبل انسحاب المواطنين من الشارع إنما يعبّر عن كيديّة لا يمكن فهمها وانحدار في القدرة على الإلمام بموجبات المسؤولية الوطنية لدى من هم في السلطة تجاه مواطنيهم، وكأنّ كل شيء يهدف إلى إطالة أمد الأزمة وتحوّلها الى استعراض للقدرة على الإستمرار والرهان على تمديد الوقت في انتظار تعب الآخر أو استنزاف طاقاته. 

إنّ السلطة التي من المفترض أنّها سلطة وطنية، لم تكن سوى تحالف لمجموعات سياسية بُنيّ على معادلة العصبية العائلية والطائفية للإمساك بمنظومة الحكم والسيطرة خارج أيّة مشاركة حقيقية أو مراقبة مؤسساتية أو مجتمعية، بعيداً عن أيّة مساءلة أو محاسبة سياسية أو قانونية، وهو يراهن على نواة صلبة تمسك بالدولة ومؤسساتها الأمنية وتخترق شبكات التواصل والتضامن المدنية من خارج المجتمع، لا على بناء أي شكل من الشرعية أو البحث عن قبول الناس وتأييدهم. ويعتمد هذا التحالف خطاباً مزايداً في الوطنية والعداء لإسرائيل للتغطيّة على معادلة القوة الآحاديّة التي تقوم عليها، والهدف منه إسقاط المواطنة كوضعيّة سياسية وقانونية وإحلال وضع الرعيّة والتبعيّة محلها كإطار قانوني وسياسي واحد وموحّد للجميع. 

إنّ دولة القانون التي ننشدها تقوم على مبدأ سمو الدستور، ويأتي فصل السلطات أيضاً تحت سقف الدستور ولا يكون القانون معبّراً عن الإرادة العامة إلا إذا جاء منطبقاً على الدستور. إنّ أول معيار تبحث عنه دولة القانون بهدف تدعيمها هو المجتمع المدني الذي يشكّل الرافعة الأولى للنظام الديمقراطي بوجهه الإيجابي من منظور ثنائيّة الدولة والمجتمع. وفي هذه الحالة يكون المجتمع المدني مسانداً للدولة ومصدراً للشرعية عبر مشاركة منظّماته وفئاته الإجتماعية المختلفة في صنع القرار. 

لا تضاهي الشجاعة والإقدام اللذان أظهرهما شبان لبنان سوى الأداء الذي يجب أن تظهره نخبهم في اختيار قيادتها. ولا نقصد بالقيادة هنا شخصية قيادية وإنما نخبة سياسية متفاهمة ومتكاملة ومتعاونة لتحقيق أهداف الشعب وتوحيد صفوفه ومدركة للمسؤولية التاريخية التي تقع عليها. إنّ صخب الشارع المندفع بصدق وعفويّة يجب أن يُستثمر في الإتّجاه الصحيح، والقول إنّ انبثاق قيادة للحراك سيجعل من السهل النيل منه وإجهاضه هو كلام في غير محله. إنّ النخبة التي يتوخاها اللبنانيون يجب أن تكون قادرة على وضع خارطة طريق تختصر أهدافها باستعادة المؤسسات وإعادة تشكيل السلطة بما تتيحه الآليات التي يوفرها الدستور، وتتجنب تقديم التفاصيل التي تبدو شعبويّة وتستثير الشارع على التغييرات البنيويّة المطلوبة. وبهذا يتجدّد زخم الساحات ويكتسب الحراك مشروعيته وتتضح أهدافه.

إنّ استعادة المؤسسات وإعادة تكوين السلطة عن طريق إجراء انتخابات مبكّرة هي السبيل لتحقيق المواطنة وتطبيق الدستور بكلّ مندرجاته وفي مقدّمها المادة 95 بما هي إلغاء للطائفية السياسية واقرار قوانين مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبه وإجراء التعيينات على أساس الكفاءة وتحرير السلطة القضائية.

فماذا تعنيه المواطنة في الأصل سوى إيداع السيادة في الفرد، وتحويله من تابعٍ إلى حر صاحب حقوق ورأي وضمير وموقف؟ وماذا يبقى للنُخب الإجتماعية بعد نزع السيادة عنها سوى أخلاق المنفعة والإرتزاق، والحذر من الآخر والشك فيه والتحلّل من المسؤولية وانتظار التعليمات والتنافس على المغانم والمواقع والمناصب والتباهي بها. إنَ نخبة محرّم عليها الطموح السياسي والمشاركة في السلطة والسيادة لا يبقى لها ما تعبّر فيه عن نفسها وتظهر فيه التميّز فيما بينها سوى التباهي بمراكمة الثروة والغنى الفاحش والتنافس على احتقار الشعب وتبرير تجريده من حقوقه والنظر إليه كعدوٍّ كامن ينبغي قهره.




* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات

Twitter: @KMHamade

khaledhamade@rfcs-lb.org



أخبار ذات صلة

21-11-2019
غانتس يُعيد كتاب التكليف إلى ريفلين بعد فشله في تشكيل الحكومة
ليبرمان يُفشِل مُحاولة غانتس لتشكيل حكومة... انتخابات ثالثة في عام
غارات إسرائيلية واسعة على مواقع إيرانية في دمشق