بيروت - لبنان 2020/07/10 م الموافق 1441/11/19 هـ

كيسنجر واحتراق العالم

حجم الخط

شهد العالم خلال الأسابيع الماضية عودة ظهور العديد من كبار علماء الطب والفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد والسياسة لإثراء النقاش الدائر حول مستقبل النظام العالمي بتشكيلاته الوطنية والإقليمية والدولية، وكان الأهم على المستوى السياسي هو ما نشره وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر في الوول ستريت جورنال الأميركية في ٣ نيسان والذي تميز بالدقة والوضوح الشديدين في التخاطب المباشر مع القيادة الأميركية وضرورة إثبات قدرتها على إدارة ذاتها ومساهمتها في مستقبل النظام العالمي.

ذهب كيسنجر إلى تشبيه ازمه كورونا الحالية بمعركة (الثغرة) ١٩٤٤ إبان خدمته بالجيش الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية في منطقة بين بلجيكا وفرنسا والتي انتصر فيها الحلفاء على الجيش الألماني، ويستدرك كيسنجر بالقول بأن الفرق بين الآن ومعركة الثغرة هو أن الأميركيين كانوا موحدين ولديهم الحافز القوي على الانتصار لاسترداد هيبة أميركا التي كانت قد انهارت بعد الضربة التي تعرض لها الأسطول الأميركي من قبل اليابانيين في بيرل هاربير، وأراد كيسنجر بالحديث عن الوحدة الوطنية آنذاك أن يحذر من الانقسام الأميركي الحالي وضرورة اتفاق الحزبين بما يشبه اتفاق بيكر هاملتون ٢٠٠٦ قبل أزمة الأوراق المالية ٢٠٠٨ وانتخاب الرئيس أوباما.

أراد الوزير كيسنجر وهو في السابعة والتسعين من عمره أن يضع النقاط على الحروف في حديثه مع قادة أميركا والعالم محذرا من عدم استيعاب الأزمة والعمل على إيجاد العلاج واللقاح بموازاة ابتكار نظام عالمي جديد قائم على التعاون والتكامل مع رفض الأفكار المغلقة والمدن المسورة في عالم شديد الانفتاح والتواصل، مع التأكيد على عدم جدوى الاستغراق بالمراجعات والاتهامات والمسببات لان ذلك سيعيق التفكير في ما يجب القيام به الآن وهو العمل على إطلاق مشروع مواز للانتقال إلى نظام عالمي لا يشبه عالم ما بعد دمار الحروب السابقة وعمليات إعادة النهوض والبناء لأن آثار حرب الكورونا هي إنسانية اقتصادية.

يستشعر الوزير كيسنجر في حديثه الاستثنائي أهمية الدمج العميق بين الوطنية والعالمية في زمن يعتمد فيه الازدهار على التجارة العالمية وحركة الناس بين القارات ولا يجب أن تعود أميركا إلى المدينة المسورة نتيجة سقوط هيبة الدول القوية بعد تفشي الوباء وعجز مؤسساتها عن استباقه بالتوقعات والأدوات الوقائية والعلاجية، مما اسقط هيبة أميركا أمام مواطنيها وأسقط هيبة القوة الأعظم أمام البشرية التي كانت حتى أزمة كورونا لا تزال تعيش تحت تأثير رعب ضرب هيروشيما وناكازاكي بالقنابل النووية في السادس والتاسع  من آب ١٩٤٥ والتي أعادت إلى أميركا هيبتها التي أسقطتها اليابان في ميناء بيرل هاربير.

اعتقد أن كيسنجر يخشى من لجوء القيادة الأميركية إلى حرب خارجية في الشرق الأوسط بالذات حيث الساحات الساخنة وذلك لاسترداد الهيبة التي أسقطها وباء كورونا وتكرار ما حصل بعد عملية بيرل هاربير وما حدث بعد استهداف هيبة أميركا بتفجيرات نيويورك في ١١ سبتمبر ٢٠٠١ ودخول أميركا في حرب أفغانستان ٢٠٠١ ثم حرب العراق ٢٠٠٣ لاسترداد الهيبة وما نتج عنهما من تحولات وتطورات على مستوى أميركا والمنطقة والعالم، ولقد أنهى كيسنجر حديثه بإعادة التذكير بمعركة الثغرة ١٩٤٤ بقوله انتقلنا من معركة الثغرة في الحرب العالمية الثانية إلى عالم من الازدهار المتزايد وتعزيز الكرامة الإنسانية، وأضاف أن التحدي التاريخي الذي يواجه قادة أميركا والعالم في الوقت الراهن هو إدارة الأزمة وبناء المستقبل في آن واحد وأن الفشل قد يؤدي إلى احتراق العالم.


ahmadghoz@hotmail.com



أخبار ذات صلة

بدء التجمع أمام السفارة الأميركية في عوكر إحتجاجا على التدخلات [...]
السعودية تسجل 51 وفاة و3159 إصابة جديدة بكورونا وشفاء 1930
القاضي عبود دعا إلى انتخاب قاضيين متقاعدين بمنصب الشرف في [...]