بيروت - لبنان 2020/09/18 م الموافق 1442/01/30 هـ

كيف ننتصر بعد النكبة؟

حجم الخط

أعلن حسان دياب استقالة حكومته بعد ان فشل في إقناع عدد من وزرائه من تقديم استقالاتهم أثناء انعقاد جلسة مجلس الوزراء أوّل أمس، وبعدما أيقن بأن حكومته لن تستطيع الصمود امام الهجمات التي ستتعرّض لها خلال جلسة الاستجواب والمناقشة التي كان يجري التحضير لانعقادها غداً الخميس. كان أولى برئيس الحكومة ان يُبادر إلى إعلان استقالة حكومته فور تكشف حجم النكبة التي حلت بالعاصمة بيروت جراء انفجار العنبر رقم 12، والذي اودى بحياة ما يقارب 200 شهيد وجرح ما يقدر بـ6000 مواطن ومقيم. وكان اللافت في هذا الأمر انه في ظل تردّد رئيس الحكومة في تحمل مسؤولياته عن نتائج الانفجار، انه لم يُبادر وزير الداخلية أو الدفاع أو أي من المسؤولين الأمنيين إلى تقديم استقالته، معترفاً بذلك بمسؤوليته الوظيفية والاخلاقية عن ما لحق بالعاصمة وأهلها من اضرار مادية وبالارواح. انه موقف مُعيب، وتهرب مشين من قبل جميع المسؤولين عن تحمل مسؤولياتهم تجاه النّاس وتجاه القانون وتجاه المجتمع الدولي. ان هول نتائج هذا التفجير تضعه بسهولة ضمن الجرائم الإرهابية الكبرى.
بعد الفشل الذريع لحكومة حسان دياب، والتي سميت بحكومة حزب الله، في إدارة شؤون البلاد والعمل على التصدّي لمجموعة الأزمات التي انزلق إليها لبنان على كل الأصعدة الاقتصادية والمالية والنقدية والمعيشية، كان من الطبيعي ان يواجهها المجتمع الدولي ومجموعة الدول العربية النفطية بالمقاطعة، وان يفرض عليها الحصار المالي والدبلوماسي، وان تربط كل المساعدات والقروض التي يحتاجها لبنان بعملية الإصلاح الشامل المطلوبة لبنية الدولة وتحديث تشريعاتها، وسد مزاريب الهدر، ووقف حالة الفساد الكلي والشامل الضارب في الفريق السياسي الحاكم منذ ثلاثة عقود.
لا يمكن لحسان دياب ان يربط قرار استقالة حكومته بالفساد المعشعش في كل جسم الدولة، والذي يُشكّل آفة هي أكبر من الدولة، وفق توصيفه، حيث انه كان على يقين وبيّنة منذ البداية بتشكيل الحكومة بأن حكومته المنتقاة من قبل الطغمة السياسية الفاسدة لن تكون قادرة على اجتراح المخارج والحلول للأزمات المستفحلة التي يواجهها لبنان، وكان عليه ان لا يقبل منذ البداية الخضوع لإرادة هذه الطغمة سواء لجهة اختيار الوزراء أو لجهة الحصول على حرية القرار وإصدار مراسيم تشريعية تقضي بتطبيق الإصلاحات البنيوية والمالية والاقتصادية اللازمة للنهوض.
لحسن حظ اللبنانيين لم ينجح رئيس الحكومة في محاولته في منع سقوط حكومته حيث حاول إطالة عمرها من خلال ركوب المطلب الشعبي الأساسي لتجديد الطبقة السياسية من خلال التقدم بمشروع قانون معجل لتقصير ولاية المجلس النيابي والدعوة لانتخابات مبكرة، مع تحديده مهلة شهرين لتحقيق هذا الأمر. ولكن يبدو بأن هذه المحاولة قد استثارت ضده بعض القوى المتمثلة في الحكومة وعلى رأسها الرئيس نبيه برّي، بالإضافة إلى كتل نيابية أساسية من خارج الحكومة، كتيار المستقبل والقوات والتقدمي الاشتراكي، والتي تحرص على الحفاظ على كتلتها النيابية بحجمها الراهن.
نقول لحسن الحظ انه لم ينجح في مسعاه، ليس من باب التأييد للإبقاء على التمثيل الراهن في المجلس النيابي، بل انطلاقاً من الحرص على كسب الوقت للاتيان بحكومة بديلة قادرة على القيام بالاصلاحات المطلوبة، وبالتالي بفك الحصار والعزلة الخارجية عن لبنان. ولا بدّ في هذا السياق من القول بأنه كان من الخطأ والمعيب ان يتحدث رئيس الجمهورية عن اتصال عدد من رؤساء الدول به بعد الفاجعة لتقديم التعازي والمواساة للشعب اللبناني، واعتبار ذلك بأنه بداية لفك الحصار والمقاطعة عن لبنان. انها قراءة سطحية وخائبة لمواقف هذه الدول من الدولة اللبنانية، حيث جرى تأكيد الغياب الكلي للثقة بهذه الدولة من خلال قرار الدول المانحة للمساعدات المالية والعينية بتوزيعها مباشرة على المتضررين بواسطة مؤسسات المجتمع المدني وباشراف الأمم المتحدة.
كان يجب إدراك معاني الرسائل الفرنسية والدولية المتكررة للعهد وللحكومة بأنه لن يجري تعويم الدولة الفاسدة، ولا ثقة بها وبكل الطبقة السياسية الراهنة قبل ان تبادر السلطة إلى اجراء الإصلاحات المطلوبة، وفي رأسها إصلاح قطاع الكهرباء والمحروقات واجراء الإصلاحات البنيوية في جسم الدولة، بالإضافة إلى محاربة الفساد. ولكن يبدو بأن السلطة التنفيذية المتمثلة برئيس الجمهورية والحكومة قد استسلمت لطاغوت الفساد، حيث اعتبرته وفق توصيف الرئيس دياب بأنه أكبر من الدولة، وبما يُشير إلى حمايته من قبل سلاح حزب الله، وبما يعني «لكم المال والمنافع وللحزب السلطة وقرار السلام والحرب».
لن اغوص في موضوع التحقيق في النكبة التي أصابت بيروت والبحث عن اسبابها وتحديد المسؤولين عنها، حيث اني أفضل ان اترك هذا الأمر لوقت لاحق، مفضلاً ان اخصص ما تبقى من مساحة للاجابة عن سؤال اساسي: كيف ننتصر على هذه النكبة؟ وما هي الخطوات الملحة لمعالجة الأزمة؟
لا بدّ ان تنصب كل الجهود والارادات الحسنة لتحويل هذه الكارثة إلى فرصة، تفتح الباب فعلياً امام حركة التغيير في لبنان، فالعملية الإصلاحية التي تحدثت عنها حكومة دياب لم تعد كافية، على ضوء حجم الفساد وغياب المسؤولية الذي اكتشفناه بعد فاجعة الانفجار. ولا بدّ لنا ان نأخذ العبرة من نهوض ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية أو من نهوض فيتنام بعد الحرب الطويلة التي واجهتها. ولنا أيضاً من تاريخنا العديد من الأمثلة والمحطات، حيث برهن الشعب عن قدرات نادرة لتخطي الأزمات والكوارث سواء بنتيجة الحروب الأهلية أو الغزو الإسرائيلي عام 1982 أو الحرب الإسرائيلية الثانية على لبنان عام 2006 حيث نجح اللبنانيون بصلابتهم ونشاطهم وتمسكهم بقيمهم الوطنية في إعادة اعمار البلاد ووضعها على طريق النمو والازدهار خلال سنوات معدودات.
تدعو نتائج فشل الحكومة وإضاعة خمسة أشهر، بالإضافة إلى نتائج النكبة التي تسبب بها الانفجار إلى المبادرة فوراً ودون إبطاء لأي سبب كان لتشكيل حكومة كفاءات فعلية وبرئاسة شخصية مستقلة  تملك الرؤية، والقرار الحازم للانطلاق بعملية التغيير المطلوبة. وان المخاطر والاستحقاقات التي يواجهها لبنان تفترض الإقلاع عن المماحكات السياسية والتي كانت تسبق تأليف الحكومات وتحوّل عملية التشكيل إلى مهمة مستحيلة. وهنا لا بدّ من اسداء النصيحة للرئيس عون لتسريع الاستشارات الملزمة، ولحزب الله والرئيس برّي والقوات اللبنانية والمستقبل والاشتراكي لتسهيل مهمة الرئيس المكلف، ومنحه كامل الثقة والسلطات الاستثنائية للأزمة التي تساعده على الانطلاق في عملية التغيير، وبما يفسح في المجال لخروج لبنان من حالة العزلة والحصار المالي.
يتطلب الانتصار على الأزمات وعلى نكبة بيروت من الجميع تسهيل عملية تشكيل حكومة كفاءات مستقلة قادرة على استعادة ثقة الشعب اللبناني وثقة الدول العربية والقريبة، وذلك بالمبادرة في تنفيذ عملية التغيير وإصلاح ما هدمته النكبة والتعويض على الشهداء والجرحى، مع وضع جميع الضوابط اللازمة للانفاق العام. ولا بدّ ان يأتي التغيير الفعلي عن طريق العملية الانتخابية، في ظل قانون انتخابي جديد، يفسح في المجال لتجديد الطبقة السياسية.
لم يعتد اللبنانيون الاستسلام امام النكبات والمصائب، وهم قادرون على النهوض وبسرعة فائقة، إذا ما توافرت لهم الظروف والقيادة الرشيدة والصالحة. هم قادرون على تحقيق معجزة جديدة والانتقام من أعداء لبنان من خلال إعادة اعمار المدينة والمرفأ، وبسرعة قصوى.
اما سلم الاولويات الاخرى التي تنتظر الحكومة الجديدة فهو كالآتي:
اولاً: تعديل قانون الانتخاب والدعوة لانتخابات مبكرة.
ثانياً: العمل على التجاوب مع مطالب الدول المانحة وصندوق النقد الدولي للحصول على الأموال اللازمة للنهوض المالي والاقتصادي.
ثالثاً: العمل على هيكلة القطاع المصرفي وانقاذه بأسرع وقت ممكن.
رابعاً: إعادة هيكلة الدولة وتصغيرها وضبط وارداتها ومصاريفها.
خامساً: إعادة تأهيل لبنان للعب دوره التاريخي عربياً ودولياً.
سادساً: فتح حوار وطني وطلب مساعدة الشرعية الدولية لاستعادة سيادة الدولة وتحييد لبنان عن مختلف الصراعات الإقليمية.
في النهاية، نعم يمكن تحقيق «الاعجوبة اللبنانية» مرّة جديدة في حال صدقت النيّات وتغلبت الحكمة لدى مختلف القيادات السياسية بأنه قد حان الوقت لتخليها عن السلطة من خلال الذهاب إلى انتخابات نزيهة وعادلة.


أخبار ذات صلة

وزارة الصحة: 750 اصابة و18حالة وفاة
عون والحريري وقيادات رسمية ورياضية نعت الشهيد عطوي
جبل عامل مرجعيون: لا إصابات جديدة بكورونا