بيروت - لبنان 2020/02/28 م الموافق 1441/07/04 هـ

لا وصفات داخلية أو خارجية لمنع سقوط الحكومة

حجم الخط

بعد ثلاثة أشهر من إندلاع الإنتفاضة تشكلت حكومة حسان دياب بعد مخاض عسير، لم تخرج فيه العملية عن القواعد التقليدية لتشكيل الحكومات التي سبقتها، حيث تنافست مختلف القوى السياسية التي دعمت تسمية الرئيس حسان دياب لرئاسة الحكومة على حصصها ومواقعها في الحكومة. صحيح أن الحكومة لم تضم في صفوفها نواباً أو سياسيين من صفوف الكتل النيابية أو الأحزاب. ولكنها ضمت مستشارين وأتباعاً يأتمرون بأمرهم في كل شاردة وواردة. ولم يخرج عن هذه القاعدة سوى بضعة وزراء أختارهم الرئيس دياب نفسه. ولم يوح تشكيل الحكومة بشخص رئيسها وأعضائها ومجريات عملية الحصحصة التي اتسمت بها بأي قدر من القبول والثقة لدى جمهور الإنتفاضة، والتي جددت ديناميتها بعد إعلان مرسوم تشكيل الحكومة بشكل إتسم بموجات من العنف شهدتها شوارع بيروت وساحة النجمة.

شهد قلب العاصمة مشهداً دراماتيكياً قبيل وأثناء إنعقاد جلسة مجلس النواب يوم الإثنين الماضي، حيث تحوّل وسط المدينة «حول البرلمان والسراي الكبير» إلى قلعة من القرون الوسطى، تحميها أسوار من الباطون المسلح والبوابات الفولاذية وخطوط كثيفة من الأسلاك الشائكة، بالإضافة إلى طوابير من الجيش وقوات مكافحة الشغب، حتى بات المشهد وكأنه مسرح لمعركة نابليونية.

إنه مظهر معيب، جرى إعداده لحماية نواب الأمة وأعضاء الحكومة من غضب شعبهم، الرافض لشرعية تمثيلهم له.

بالرغم من التحفظات التي أبدتها الانتفاضة على شخصي الرئيس دياب، وعلى الشوائب والمحاصصات التي شهدتها عملية التأليف، وتدني كفاءة عدد وافر من الوزراء، تفرض الحكمة أن تتريث جماهير الانتفاضة في التعبير عن رفضها للحكومة بالمطلق، وبالتالي أعطاءها فرصة للعمل وتقديم مشروعها الاصلاحي، والذي من المرجح أن يصطدم بالمصالح الحيوية للأحزاب والقوى السياسية المساهمة في تشكيلها، و بالتالي بتعريض الحكومة للفشل، وبما يستدعي من القوى الخارجية الداعمة للبنان أن تبقى مستعدة وجاهزة لإنتشاله من الإنهيار الاقتصادي والمالي.

أثبتت مجريات إنعقاد جلسة إقرار الموازنة بأن النواب الذين تسللوا لحضورها بحماية كثيفة من قوى الجيش والأمن، بأنهم قد خسروا شرعيتهم التمثيلية والقانونية، ولذلك فإن الموازنة التي جرى إقرارها في غياب الحكومة التي وضعتها هو عمل غير قانوني، ويهدد بشكل مباشر بإفشال دور الحكومة الجديدة، وبإسقاط أي مشروع إصلاحي يجري إعداده من أجل طلب الحصول على ثقة المجلس في الأيام المقبلة. يبقى الطريق الوحيد لإنقاذ حكومة حسان دياب من السقوط، وحفظ مالية الدولية من تساقطات عجز الموازنة المترتب على هذه الموازنة، في ظل حالة الفساد المستمرة، أن يبادر النواب الذين عارضوها للتقدم بطعن أمام المجلس الدستوري لإبطالها وبالتالي فتح نافذة أمل أمام إمكانية تطبيق الرؤية الاصلاحية التي سيتضمنها البيان الوزاري الذي تنكب الحكومة الآن على إعداده.

كان اللافت أثناء إنعقاد الجلسة بأن الحكومة قد تمثلت بالرئيس دياب منفرداً. والذي أعلن عن تبنّيه لمشروع موازنة وضعته الحكومة السابقة ، وهو يتعارض في مضمونه وفي وظائفه وأولوياته مع كل الأهداف الإصلاحية لحكومته ولوجوده في السلطة. يؤشر حضور الرئيس دياب الجلسة قبل حصوله على الثقة، وقبوله بالعجز الكبير في الموازنة إلى أنه قد تخلى عن جميع الوعود الإصلاحية التي أطلقها أثناء تشكيل الحكومة، وبأن القوى السياسية المشاركة في الحكومة قد نجحت في فرض رؤيتها الخاصة عليه، والتي ترفض القبول بأي مشروع إصلاحي تطالب فيه الدول الداعمة لخطة النهوض، وصندوق النقد الدولي الذي يعوّل عليه وضع خطة متوسطة بالإجراءات التي أوصى باعتمادها في دول شارفت على الإفلاس مثل اليونان ومصر.

منذ تشكيل حكومة حسان دياب ارتفع غضب الشارع وارتفعت معه مستويات المواجهة مع القوات الأمنية والجيش حيث شهدت مناطق شارع الحمرا وساحة النجمة وكورنيش المزرعة مواجهات دامية مع المتظاهرين. وهكذا بدأت الثورة بالتوجه نحو العنف، ويبدو أن المسؤولين الأمنيين باتوا يضيقون ذرعاً بميل الشارع للعنف وهم على استعداد على منازلته بدل الحرص الذي أظهروه في السابق لحماية المتظاهرين من هجمات «البلطجية والزعران» على جسر الرينغ وساحتي الشهداء ورياض الصلح.

من المتوقع أن تشهد الشوارع المحيطة بمجلس النواب مواجهات دامية بين المتظاهرين والقوى الأمنية والعسكرية إبّان إنعقاد جلسة الثقة بالحكومة الاسبوع المقبل.

لم تقنع الحكومة بشخص رئيسها وتشكيلتها اللبنانيين بأنها حكومة الإصلاح والإنقاذ التي طالبوا بها منذ 17 تشرين وحتى اليوم، حيث تركزت المطالب على تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلين من خارج الطبقة السياسية الراهنة وجاءت الحكومة لتمثل أحزاب اللون الواحد من قوى 8 آذار، مع تدخل ونفوذ سوري ظاهر. ومن هنا يبدو بأن الشارع وبدعم من تيار المستقبل والقوات اللبنانية والكتائب قد قرّر تصعيد مواجهته للحكومة بقصد إسقاطها، والبحث عن حكومة مستقلين تحل مكانها، وتكون قادرة على تحقيق مطالبه بالاصلاح الشامل.

لا ترى الآن أكثرية اللبنانيين، ومن ضمنهم الأكثرية السنية بأن حكومة حزب الله وحلفائه ستكون قادرة على تنفيذ الإجراءات الاصلاحية المطلوبة لحجم التدهور المالي والنقدي الحاصل، أو سن التشريعات اللازمة والضرورية لإجراء الاصلاحات الهيكلية للدولة من أجل لجم آفة الفساد، ووقف الهدر الحاصل في مالية الدولة.

في النهاية لا تملك الحكومة الرؤية والوصفات الداخلية لتخفيف صدمة سقوطها المتوقع، في الوقت الذي يعتقد كثيرون بأنها لا تملك التفويض من حزب الله للاستعانة بوصفات صندوق النقد الدولي، وما تنطوي عليه من إجراءات قاسية، وهذا ما اعلنه النائب حسن فضل الله برفض الصفقات الخارجية جملة وتفصيلاً.


أخبار ذات صلة

وقفة احتجاجية في بعلبك بسبب تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية
عبد الصمد في اجتماع "الوطني للاعلام" والمواقع الاكترونية: نعمل لقانون [...]
فيصل الصايغ للـmtv: الكهرباء "بكرا أسوأ من اليوم وبعد بكرا [...]