بيروت - لبنان 2018/08/21 م الموافق 1439/12/08 هـ

لبنان، بعد خراب البصرة، وتطورات أحداث العراق

حجم الخط

كثيرون جدا من يتابعون الأحداث الهامة التي تطاول العراق الشقيق في هذه الأيام، وهي أحداث مفاجئة في اندلاعها بهذا الشمول وهذا التحول وهذا الوعي لحقيقة العراق وانتمائه العربي وبحقيقة ما يطاوله من هجمة إيرانية تعمد إلى استغلال المد الشيعي الواسع في هذا البلد الذي يعاني من تقلبات في طبيعة الحكم ونوعية السيطرة على المسيرة الوطنية والقومية، فضلا عن السياسية الممتزجة أساسا بتعدد الطوائف والمذاهب، والمستغلّة حتى الرمق الأخير من قبل كثير من الزعامات السياسية والطائفية والعشائرية والميليشياوية، وقد أثبتت معالم الأحداث وتطوراتها الدراماتيكية، أن المعاناة الأهم لدى الشرائح المختلفة لهذا الشعب الذي لوّعته التطورات السياسية والإجتماعية والإقتصادية وبشكل خاص وملحوظ، من خلال درجات الفساد عالية الوتيرة والأحجام، لدرجة حولت هذا البلد الحافل بشتى أنواع الثروات، وخاصة منها البترولية، إلى شعب يعاني من شتى أنواع الإحتياجات الحياتية والمعيشية وفي طليعتها المياه الصالحة للشرب والكهرباء الغائبة عن عيون المواطن إلى درجة دفعت إلى حدود الثورة، ووضعته في قلب الإحتجاجات الشعبية الشاملة، كما ودفعت برئيس البلاد المتقلقل في ولايته واستمراريته إلى عزل وزير الطاقة والكهرباء، عقابا له على الحالة المشبوهة والزاخرة بالإتهامات التي وضعت العراق والعراقيين في صلب مأساة حادة يجري التفتيش عن حلول لها، ليكتشف العراقيون ومن هم في مواقع السلطة لديهم أن الحلول مهما تم تسريعها، فهي لن تكون حاصلة وملموسة إلاّ بعد «خراب البصرة» كما يقول التعبير الشائع، والبصرة ومعظم مواقع الجنوب العراقي، قد باتت طافحة بالخراب والمعاناة إلى درجة دفعت بالمرجعية الدينية في النجف والمعروفة بمواقفها التي تجنح في الغالب، إلى الإعتدال، فإذا بها تُصَعّدُ في توجهاتها وتوجيهاتها أسبوعا بعد أسبوع من خلال خطب أيام الجمعة، إلى حد شديد القساوة تمثل مؤخرا بمواقف حادة ومحذرة ومشاركة للمواطنين العراقيين في مواقفهم وفي مطالبهم التي تطورت من مطالب إصلاحية واقتصادية ومعيشية إلى مطالب بتغيير النظام، بعد أن باتت الإصلاحات الوضعية والجزئية المعتمدة على عجل، غير كافية لعملية التغيير والتطوير والنهوض بالبلاد من جملة البؤر والمزالق والمطبات التي تغرق الوطن في خبر كان، المجهول والمقلق، وفي خبر أصبح، المعلوم والمتّسم بالصفات المأساوية. 
ونعود إلى بيت القصيد. 
لقد اكتشف العراقيون أن أغلب ثرواتهم الطبيعية قد تم نهبها بكل عائداتها المحصلة من قبل بعض أولي الشأن لديهم، وفي طليعتهم، رؤساء وزعماء وقادة وكبار موظفين ينتمون إلى المراحل السياسية والطائفية السابقة، فضلا عن بعض الممسكين حاليا بمقاليد البلاد، من الساسة وقادة الميليشيات والفئات التي فرضها السلاح وهجمة الجار الإيراني، وكثير من المسؤولين الإداريين في المحافظات المنتجة للبترول، الذين مسحوا الارض وما في أعماقها من كل ما ينتج مالا وكل ما يمكن تهريبه بشتى الوسائل إلى كل جهات الأرض كافة، اكتشف العراقيون أن طبقة السياسيين التي تحكمهم وتتحكم بهم وترتمي في أحضان الميليشيات، القديم منها والمستحدث، ضمانا لاستمرار تدفق «الخيرات» عليهم وعلى من يؤمن لهم الرعاية والحماية، ويستثمر الشعارات الطائفية الحادة، لتكون الوجه البشع الذي يغطي أوجه الخير والنقاء القومي والإنتماء العربي الأصيل لدى الغالبية الكاسحة من مجمل أبناء الشعب العراقي، ووصلت الأمور بوحشية الفساد القائم إلى درجة حرمت المواطنين من لقمة العيش الكريم بكل مقوماته ووسائله، وها هي الأحداث والتطورات تتوالى في هذا المنحى وهذا الإتجاه. 
وينقلنا بيت القصيد العراقي إلى بيوت القصيد اللبنانية، وفي طليعتها قضية الفساد المزمنة والمتغلغلة في عقول وضمائر معظم الزعامات والقيادات اللبنانية، وها هي الطبقة السياسية اللبنانية يختلف أولو الشأن فيها حول المواضيع كافة، ويتصالحون فيها على كل ما يخدم محاصصاتهم ومغانمهم ومنافعهم المتبادلة، ويجدون في حالة الوضع الحكومي المعطل والخلاف على المواقع الوزارية وسيلة تعرقل بل وتمنع تأليفها، في الوقت الذي تستمر الأوضاع السيئة على حالها المستحكم به بالكامل من قبل سلطة الأمر الواقع والسلاح الفارض والوضع العام السائب، وها هو الفساد تشكل له وزارات ولجان تستصرخ الرأي العام لوضع حد له، لنجد أن المهتمين الحقيقيين بمحاربة الفساد، تتكون غالبيتهم من الفاسدين أنفسهم، قادة وزعماء وأزلاما وسماسرة. 
وها هي الحكومة ما تزال منطلقة في مسيرة التكليف، وها هي كثرة من الفئات السياسية تحاول أن تلقي بكرة أسباب التعطيل في ملعب رئيس الحكومة، الذي كلما قدّم مشروعا للإتفاق عليه وإبرامه، أحيل إلى فخافة الوزير جبران باسيل لتدارس التفاصيل معه توطئة لرفضها، وليكتشف اللبنانيون أن المعطل الأهم، هو تلك النزعة المختلقة والمبرمجة لغايات الإمساك بمقاليد السلطة والتحكم بتوجهاتها وتوجيهاتها، وها هم كثرة من الفاسدين المكشوفين يتنكرون برداء العفة، ويهاجمون سواهم من أمثالهم، وها هو البلد يتخبط حتى الآن في أخطار داهمة، ومأساة اقتصادية متوقعة، إذا لم نسرع في تأليف الحكومة واتخاذ الإجراءات الإصلاحية التي تمكن من تحقيق وتنفيذ مقررات مؤتمر سيدر وما يتوقعه اللبنانيون، من انجازاته النظرية حتى الآن ويترقب المشاركون الآثار المتوقعة التي قد تتأمن للبنان من خلال المشاركة في عملية نهوضه من كبوات احتياجاته الإنمائية الملحة بعد أن يتأكد المشاركون في مؤتمر سيدر من تحققها على أرض الواقع الخالي من النواقص والشبهات، ولكن ما نراه في هذه الأيام من عراقيل ومطبات توضع أمام كل خطوة إيجابية متوجهة لانقاذ البلاد من عثراتها المختلفة، تدل على ان في صلب الأجواء القائمة من لا يريد لهذا البلد حلا دستوريا وقانونيا سليما ومستقبلا وطنيا زاهرا ومستقرا ومنقذا. الأجواء القائمة مع الأسف تدل على أن هناك العابا وتلاعبات سلبية قد وُضعت أوراقها على طاولات متمركزة في غرف سوداء. مثل هذه الحالة متواجدة في العراق على نحو شبه مماثل، يعالجها الشعب العراقي في هذه الأيام على طريقته الحادة. إذا ما استمرت الأمور في لبنان على سلبياتها القائمة... كيف سيتصرف اللبنانيون وإلى أي مصير قاتم يمكن أن تصل إليه شؤون وشجون لبنان الذي ملّ من إشاعات الحلول المفترضة التي إذا ما استمرت دستوريا وتؤدي بهم إلى غيبوبة من اليأس والقنوط.  

daouknet@idm.net.lb 



أخبار ذات صلة

عيد الأضحى والتضحية بالوطن والناس
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان..
الفرصة الأخيرة للإصلاح وإنقاذ العهد