بيروت - لبنان 2020/04/03 م الموافق 1441/08/09 هـ

لبنان بعد «كورونا» لن يكون كما كان قبله

حجم الخط

جاء ظهور فيروس «كوفيد - 19» متسللاً إلى منطقة ووهان في الصين، بشكل غير لافت إلى مخاطره على حياة النّاس في زوايا العالم الأربع، ناهيك عن ارتداداته المدمرة على الاقتصاد الدولي، بالاضافة إلى تهديده لكل عناصر العولمة، بعدما قطع كل الاتصالات الجوية والبحرية والبرية بين القارات والدول، لا بل بين المناطق في الدولة نفسها. نحن اليوم نعيش في عالم جديد، هو أشبه بعالم «الخرافة» منه الى عالم الواقع، يفرض علينا حجراً صحياً قسريا في منازلنا، معزولين عن الآخرين، ويوجه علاقاتنا بصورة مختلفة مع الدولة ومع العالم الخارجي، كما يفرض علينا سلوكية مختلفة مع أقرب المقربين إلينا. يدفعنا الواقع الجديد الذي فرضته علينا جائحة «كورونا» إلى التساؤل عن الفترة الزمنية التي يُمكن ان تستغرقها فترة العزل للأفراد أو المناطق، ولإقفال الحدود بين الدول، أو لإقفال الأسواق أو المطاعم أو الملاعب الرياضية، أو مختلف النشاطات الثقافية والترفيهية الجماعية؟ لا يُمكن لأحد في الوقت الراهن الإتيان بأجوبة واضحة وحاسمة على كل التساؤلات المطروحة حول مآل الأزمة الراهنة، أو تقديم أي تُصوّر فعلي للخروج من آثارها.

لا يُمكن المقارنة بين الاخطار والمخاوف التي خلفتها هجمات 11 أيلول على أبراج مركز التجارة العالمي في نيويورك أو الأزمة الاقتصادية والمالية التي اجتاحت العالم عام 2008 وبين حالة الخوف والهلع التي ولدتها جائحة «كورونا»، لا يُمكن في حالة الوباء قياس المخاطر استناداً لتحليل أو دراسة الاسباب الموضوعية لهجمات 11 أيلول أو لمقومات السياسات المالية والاقتصادية التي اعتمدتها الدول أو المجتمعات أو الأسواق، فالأمور تبدو هنا في مواجهة الوباء أكثر غموضاً، في ظل الشعور ان لمسنا للاشياء أو اجتماعنا بأشخاص آخرين أو تنفسنا للهواء ضمن قاعة مقفلة تضم آخرين قد يعرضنا لخطر الإصابة بالفيروس، مع امكانية نقله لأفراد العائلة أو للآخرين عن غير علم أو قصد.

تدعونا خطورة الأوضاع الراهنة إلى الذهاب إلى أبعد من استحضار حالة الشك والغموض التي سيطرت على العالم بعد احداث 11 أيلول أو الانهيار الاقتصادي المالي لعام 2008، بحيث نستحضر نتائج النتائج التي خلفتها الكارثة الإنسانية التي حدثت مع ظهور فيروس «الانفلونزا الاسبانية» التي حدثت في عامي 2018 - 2019 والتي قتلت ما يقارب خمسين مليون شخص، ولكننا في جميع الأحوال نستبعد كلياً ان تؤدي جائحة «كورونا» إلى الإفلات من كل الضوابط التي تسود العالم اليوم وبالتالي التسبب بمخاطر كارثية لأية دولة أو على المستوى العالمي.

من المؤكد انه ستترتب على تفشي «كورونا» تداعيات ضارة على مستوى علاقات الأفراد والشعوب بدولهم وبالنظام العالمي، وخصوصاً على مستوى العلاقات الثقافية والتجارية والسياحية، ولكنها ستدفع إلى تسهيل عملية التواصل والتبادل من خلال استعمال وسائل التواصل عن بعد، حيث يمكن استبدال عملية التواصل المباشر بعملية التواصل عبر العالم الافتراضي، ولكن ذلك لن يكون متاحاً للجماعات التي لا تمتلك الوسائل التقنية اللازمة لمثل هذا التبادل الذي يمكن ان يتعمم ويتكثف مع أشخاص وكيانات بعيدة جداً، حيث يترك بعد المسافة شعوراً أكبر بالامان من انتقال العدوى بالاحتكاك المباشر. من خلال هذا التغيير في وسائل التواصل مع الآخرين وبين المجتمعات والدول فان العالم سيتغيّر، من خلال اعتماد السلوكيات والوسائل الجديدة للتواصل وتبادل الخدمات، وان أول النشاطات المستفيدة من هذا التحوّل ستكون دون شك التبادلات التجارية عبر التواصل الالكتروني، وهذا ما ظهّرته الأسابيع القليلة الماضية.

ستفرض في رأينا جائحة كورونا على العالم والدول مفهوماً جديداً للأمن الجماعي، وذلك من خلال إدراك بأن المجتمعات هي في الحقيقة عاجزة عن مواجهة فيروس جديد يتفشى من خلال ما تملكه الآن من منشآت وادوات طبية، وبأنه بات من الضروري تخصيص المزيد من الاستثمارات نحو التجهيز والاعداد المهني الطبي، وقد يكون ذلك من خلال تحويل جزء من الاستثمارات في المجال الدفاعي نحو الاستثمار في المجال الطبي والوقائي، بما فيها المزيد من اعداد الطواقم المتخصصة في مكافحة الأمراض والاوبئة. ولا بدّ في هذا السياق من لفت النظر الى النتائج المذهلة التي أدّت إليها جهوزية مستشفى رفيق الحريري الجامعي لاستقبال المصابين، وعزلهم ومداواتهم، ويتطلب هذا الجهد الذي قام به القيّمون على المستشفى من أطباء وممرضات مع ما واجهوه من مخاطر على ارواحهم بسبب ضعف الوسائل والتجهيزات الوقائية الثناء والتقدير على المستوى الوطني والإنساني في مجال تطرقنا إلى التأثير المباشر الذي ستخلفه جائحة «كورونا» علينا في لبنان، فإننا لا بدّ لنا من الاعتراف بمدى التقصير والغياب شبه الكلي للدولة ولكل الطبقة السياسية عن التعاطي مع القضايا الأساسية بجدية ومسؤولية، والتي كان آخر ظواهرها تمنع وزير الصحة في الحكومة السابقة جميل جبق عن الموافقة على صرف عشرات ملايين الدولارات من الهبات أو القروض الدولية على تجهيز المنشآت الطبية الحكومية والوطنية، إذا لم تخضع كلياً لإرادته، رافضاً أية شراكة للاشراف على صرف الأموال لخدمة الاهداف المخصصة لها.

هذه المعلومات التي تسربت في الأيام القليلة الماضية هي كافية لتوصيف حالة الفساد الكلي والشامل التي سيطرت منذ عقود على الإدارة الحكومية وعلى الطبقة السياسية في لبنان.

في هذا السياق، عن الحديث عن سلوكية الفساد، نذكر بأنه كان من حق المواطنين اللبنانيين ان يتأكدوا ويشترطوا بألا يكون للدولة اللبنانية أو لأي مسؤول سياسي أي دور في عملية إدارة وتوزيع عشرات المليارات التي تبرعوا بها للمستشفيات وللصليب الأحمر وللطبقات الفقيرة والسجون بمبادرة رائجة من الإعلامي مارسيل غانم ومحطة «أم تي في».

ستؤدي القيود التي فرضتها جائحة «كورونا» على جميع النشاطات العامة والخاصة للمجتمعات وللافراد إلى تغيير أساسي في مناهج النّاس للتعاطي مع متطلبات الحياة على جميع الارصدة، وستؤثر بالتالي على خياراتهم وسلوكياتهم المختلفة، وستدفع الالزامات التي فرضها فيروس «كوفيد-19» إلى القبول بالانفتاح لاعتماد تكنولوجيا العصر في التعليم الثانوي والجامعي، وهذا الأمر كان يواجه بتحفظات عديدة في مجتمعنا اللبناني، وذلك بتشجيع من المدارس والجامعات الخاصة، والتي كانت تسعى من خلال ذلك إلى الحفاظ على مكتسباتها المالية وعلى نفوذها على المجتمع والطبقات التي تستفيد منها. ان تعميم الاتصال من بعد لن يسهل فقط على التلامذة الانتقال الى المدارس، ولكنه يُخفّف أيضاً من اثمان وكلفة الدراسة، ولا بدّ في هذا السياق ان تدرك الإدارة اللبنانية، وليس في قطاع التعليم فقط، ولكن أيضاً في كل المعاملات والعلاقات بين المواطن والدولة ضرورة التجهيز لتأدية مجمل الخدمات والمعاملات الإدارية عن بعد، توفيراً للوقت ووقفاً للهدر في التكاليف.

في السياق نفسه، يمكن أيضاً الاستفادة من هذه التجربة لتعميمها على المراجعات الطبية، بحيث يمكن للمريض مراجعة أي طبيب اختصاصي عبر «سكايب» بدل الذهاب إلى عيادته وذلك توفيراً للسفر والانتظار في عيادته. لم تعتمد مناوبة الطبابة عن بعد في السنوات السابقة لأسباب عديدة، بعضها اقتصادي أو قانوني، ولكن يمكن لوباء «كورونا» ومخاطره، مع التوسع مع عادة التواصل عن بعد ان نغيّر في العلاقة الراهنة القائمة بين المريض وطبيبه.

في النهاية، في ظل المخاوف والمخاطر الإضافية التي وضعها انتشار وباء «كورونا» على اللبنانيين، والتي جاءت لتزيد من المتاعب والأعباء التي خلفتها مجمل الأزمات التي يتخبطون فيها نتيجة فساد الدولة وسوء السياسات التي اعتمدتها في العقود الثلاثة الماضية، يبقى الأمل معقوداً للبحث عن المجتمع الجديد الذي يسعون لبنائه على أنقاض مجتمع الطائفية والزبائنية، وان تستمر انتفاضتهم لإصلاح دولتهم بحيث تتحوّل الوظيفة العامة إلى خدمة عامة، وان تتحوّل مركزية الدولة الجامعة إلى لا مركزية إدارية واقتصادية عادلة وفاعلة. وان لبنان بعد «كورونا» لن يكون كما كان قبله.





أخبار ذات صلة

الحكومة اليمنية الشرعية تفرج عن مئات المعتقلين
التزموا المنازل فزادت شكاوى العنف الأسري بشكلٍ كبير... كلودين عون: [...]
مخزومي يدعو لكبح جشع التجار عبر خطوات «غير مسبوقة»