بيروت - لبنان 2019/08/19 م الموافق 1440/12/17 هـ

لبنان بين واقع «اللادولة» والدولة الفاعلة

حجم الخط

في ندوة دولية حول الأوضاع المتردية والصراعات المتفجرة في منطقة الشرق الأوسط، وصف سفير أميركي سابق متخصص في الشأن اللبناني الأوضاع الراهنة التي يمر بها لبنان بقوله «لبنان هو اللادولة، هو قطعة أرض متروكة من السلطنة العثمانية، ولكنها دون سلطان».

كان من الطبيعي أن يثيرني هذا التوصيف، وأن أندفع وراء مشاعري الوطنية للردّ بقوّة على هذا السفير، متحدثاً عن أسباب الأزمات السياسية والأوضاع الأمنية الشاذة، والمصاعب والأزمات الاقتصادية التي واجهها ويواجهها لبنان كنتيجة طبيعة للضغوط التي تسبب بها التداعيات التي أصابته بفعل الحروب وحالات التشظي التي شهدتها دول المنطقة العربية والتي أدت إلى انهيار كامل لبعض الدول على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

استمر التوصيف الذي أطلقه السفير الأميركي على لبنان في التفاعل في ذهني لبضعة أشهر، أراجع فيها ما سمعته منه عن الأسباب والتقييم الذي أستند إليه ليخرج بهذه الرؤية «المظلمة» للوضع اللبناني. وخرجت بعد مراجعتي للأزمات المتوالدة التي عصفت بلبنان منذ ثورة 1958 وبكل المراحل والمحطات العصيبة التي شهدناها طيلة ما يزيد من عقد ونصف من الحروب الداخلية، وبعد استعراضي للمشهدين السياسي والاجتماعي وما شهداه من أزمات وإرهاصات، كان بعضها على خلفية تقاسم المغانم، وبعضها الآخر على خلفية الصراع الإقليمي القائم بين محور المقاومة والممانعة الذي تقوده إيران ومحور دول الاعتدال السني بقيادة المملكة العربية السعودية. خرجت في نهاية هذه المراجعة الطويلة باستنتاج عام. بأن السفير الأميركي كان على حق بأن لبنان يستأهل توصيف حالة «اللادولة»، وبأن استيلاده للأزمات المتتالية منذ ولادة الجمهورية الثانية، وخصوصاً في المرحلة ما بعد الانسحاب السوري من لبنان في نيسان 2005، لم يترك أية فسحة أمل في إمكانية خروجه من محنته المزمنة، بالإضافة إلى أن تجدد الصراعات الراهنة بين القوى السياسية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة تؤشر إلى نزعة لنقض الميثاق والدستور، والعودة بالبلاد إلى أجواء الخلافات العميقة التي سادت في سبعينيات القرن الماضي، وطيلة فترة الحروب الداخلية.

يدخل لبنان مرحلة هي أخطر من أزمة الفراغ الرئاسي أو أزمات تشكيل الحكومات، التي تولد متعثرة وتقع في شلل وغيبوبة خلال أسابيع معدودة من تسلمها مقاليد السلطة، حيث يستحضر أفرقاء سياسيون لغة تحالف الأقليات والتي تهدد الكيان والمواثيق، الى جانب المطالبة بحقوق لطوائفهم خارج مواد الدستور، والذهاب إلى أبعد من ذلك للإيحاء بطاولة حوار وطني لتفسير مواد دستورية ومن بينها المادة 95 وخصوصاً الفقرة «ب»، وقاعدة إلغاء التمثيل الطائفي في الوظائف العامة باستثناء وظائف الفئة الأولى فيها وما يعادل الفئة الأولى.

ما يزيد من مخاطر الأزمات الراهنة التي نواجهها غياب هيبة الدولة وسلطة القانون، في ظل تقاعس رهيب للسلطات الأمنية والقضائية عن القيام بوظائفها وواجباتها لضبط الأمن ومنع الانزلاق نحو الفتنة، في ظل هذا التراشق الإعلامي المتفلت بين مختلف القيادات السياسية.

في هذا الوقت الذي يغرق فيه السياسيون في فسادهم ومراهناتهم الفئوية والطائفية، وسعيهم لتحقيق المزيد من المكاسب على حساب الوطن والدولة ومؤسساتها، متجاهلين التهديد والمخاطر الخارجية التي تتهدد وطنهم في ظل الأزمة التي تعصف بالمنطقة، وخصوصاً من بوابة الخليج ومضيق هرمز، بالإضافة الى عودة شبح الخطر الإرهابي المتمثل بتنظيم «داعش» والذي يبدو بأنه قد استعاد أنفاسه وأعاد تنظيم خلاياه لينطلق في حرب إرهابية خطيرة جداً. تفترض هذه المخاطر مع ما يرافقها من استهداف لبنان إسرائيلياً وأميركياً من خلال التصويب على مؤسسات الدولة اللبنانية والضغط عليها لوضع حد لدور حزب الله العسكري ونفوذه داخل الدولة اللبنانية، أن يبادر رئيس الجمهورية إلى حل كل الإشكالات الداخلية بما فيها حالة الهذيان والجنون السياسي التي نتجت عن حادثة «البساتين» وإعادة تفعيل عمل مجلس الوزراء لمواجهة الأزمتين الاقتصادية والأمنية المتفلتتين من كل الضوابط وبالتالي استعادة الثقة الخارجية والداخلية بوجود سلطة فاعلة.

ولا بدّ أن نطالب الرئيس عون وبإلحاح بضرورة الوفاء بوعده لوضع استراتيجية دفاعية، تحقق السيادة الوطنية وتستعيد الثقة العربية والدولية بلبنان لإعادة تصنيفه كدولة متعافية.

لا يمكن للرئيس عون الاستمرار في لعبة الوقت الضائع من أجل إرضاء طموحات صهره للوصول إلى رئاسة الجمهورية، وعليه أن يدرك بأن الأزمات الداهمة باتت تهدد العهد والكيان على حد سواء.



العميد الركن نزار عبد القادر





أخبار ذات صلة

عقيص: لمناظرة عامة بين المرشحين الجديين الى منصب نقيب المحامين
عثمان تلقى دعوة من راعي كنيسة سيدة النجاة لمشاركة في [...]
قطع اوتوستراد البداوي بالاتجاهين من قبل بعض المحتجين