بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

للوقت قيمة كبيرة

حجم الخط

من أصعب الأمور على صعيد الشخص أو العائلة هو تنظيم الوقت، وكما يقول الغربيون «الوقت هو مال» وبالتالي هدره مكلف كالمال أو أكثر.  المال يذهب ويعود، لكن الوقت يمر مع العمر وبالتالي هدره مكلف جدا.  في دول الشرق، يستسهل الانسان هدر الوقت علما أنه بحاجة ماسة الى الاستفادة من كل دقيقة للعمل أو اللهو أو الانتاج أو الاستهلاك.  نرى أن الوقت ليس مهماً في الدول النامية والشرقية علما أن الحياة يمكن أن تكون فيها أسهل أو أن المواطن يشعر بالسعادة أكثر لأن الضغط اليومي أخف بكثير.  اذا كان هدف المواطن أن يعيش بهدوء وسعادة، ربما تخفيف الضغط والطموح يصب في هذا الاتجاه.  اذا كان الهدف زيادة الاستهلاك وتحسين مستوى المعيشة، يجب عندها العمل الشاق والمستمر بأعلى درجات الانتاجية.  منذ زمن، يفشل الاقتصاديون في وضع البراهين للعلاقات الايجابية بين النمو والسعادة.  ربما تكون العلاقة سلبية تبعا للظروف والثقافات والتقاليد كما التاريخ.

مهما كانت القرارات جدية وذكية على مستوى الفرد أو الشركة أو الدولة، فلن تنجح اذا لم تكن آليات التنفيذ فاعلة وسريعة ودقيقة. على مستوى الفرد، يأخذ الانسان قرارات لنفسه لوقف التدخين أو تخفيف الوزن أو غيرهما، فهل ينفذها وما هي الآلية التي سيتبعها؟  لذا نرى معظم هذه القرارات لا ينفذ بل يبقى حبرا على ورق.  المضحك المبكي أن الانسان الذي لا ينفذ قراراته، يعيد أخذ القرارات نفسها بعلم منه أنها لن تنفذ مجددا.  هنالك سهولة كبرى في اتخاذ هذه القرارات الشخصية النظرية، لأن التكرار سهل وغير مكلف.  على الصعيد العائلي، هنالك قرارات تتخذ مثلا للادخار وتنظيم الانفاق والقيام ببعض الأعمال المنزلية. قرارات في أكثر الأوقات جيدة ويجب تنفيذها، الا أن الآلية سيئة وبالتالي تبقى الأمور عالقة.  عندما تأخذ العائلة قررا بترشيد الانفاق، نرى أنها لا تنجح عموما في تغيير العادات وبالتالي يبقى الهدر قائما على أمور ليست ضرورية بل أحيانا مضرة كالتدخين واستهلاك بعض سلع الادمان.

بالنسة للدول، آليات التنفيذ مهمة جدا وهذا يشكل الفارق أحيانا بين نجاح دول ومجتمعات وفشل أخرى.  في لبنان مثلا تتخذ قرارات بمختلف القطاعات لكن التنفيذ يتعثر دائما، مثلا فيما يخص الاغلاق والتجول في زمن الكورونا.  عموما تؤخذ القرارات عبر قوانين ومراسيم ولا تنفذ لآن آليات التنفيذ غير واضحة أو هنالك «فيروس الفساد» الذي يعطلها.  في لبنان أيضا تؤخذ القرارات عبر مجلس الوزراء بعد نقاشات حادة تدخل فيها المصالح الطائفية والسياسية والحزبية كما المناطقية.  لذا تكون النتيجة عموما غير فاضلة أي ضعيفة أصلا حتى قبل التنفيذ.  من الصعب جدا أن نجد قرارات وطنية ادارية مهمة يتم التوافق عليها بسرعة مما يجعل وضعها موضع التنفيذ يتأخر وتصبح بالتالي غير ضرورية.  العديد من القرارات العامة وان يأتي متأخرا، لا ينفذ كقرارات مصرف لبنان بشأن «الدولار الطالبي» وغيره حيث نجد دائما الشياطين في التفاصيل.

في الدول التي تنفذ فيها القرارات، يكون هنالك قبول أو حتى اجماع تجاه أهمية المؤسسات وضرورة اعتمادها لتنفيذ القرارات. عندما تكون المؤسسات ضعيفة ومن يديرها لم يؤت به بسبب الكفاءة أو النزاهة، تبقى هذه المؤسسات غير فاعلة ولا تحوذ على ثقة واحترام المواطنين.  ليس المهم فقط أن تؤخذ القرارات عبر قوانين أو مراسيم أو رسائل أو غيرها، بل المهم أن تكون هذه القرارات ضرورية وصحيحة لأن التنفيذ عن قناعة أسرع وأقل تكلفة.  في لبنان، عندما تؤخذ القرارات، هنالك دائما نوع من الشك في نزاهتها وجدواها وبالتالي تعطل قبل التنفيذ.  لا شك أن ثقة المواطن بدولته والمسؤولين عنها أساسي لتنفيذ أي قرارات جدية تصب في المصلحة العامة.

من يأخذ القرارات؟  طبعا الانسان في الموقع الذي يشغله.  من أيام أفلاطون، كان الاعتقاد بأن دماغ الانسان مقسم الى جزئين واحد عاطفي والثاني منطقي ويمكن للانسان أن يستعمل فقط واحدا من الجزأين.  لكن علم الأعصاب تطور في العقود الأخيرة ليجد أن بامكان الانسان أن يستعمل الجزأين سوية أي يخلط أو يدمج بينهما.  فالقسم المنطقي لا يعمل بفعالية من دون بعض العاطفة التي ترويه.  لذا دماغ الانسان أهم من الحواسب مهما كبرت لأن الأخيرة تفتقر الى الجزء العاطفي الذي يحسن القرارات ويجعلها أكثر انسانية وواقعية وفعالية.  مؤسس «أبل» ستيف جوبز استطاع أن يستعمل بدهاء قسمي الدماغ أي انتاج السلع التقنية الممتازة والتواصل مع المستهلك لتلبية حاجاته ورغباته.  هذا ميز «أبل» عن المنافسين.

وجدنا أيضا في مباريات الشطرنج، أن الانسان فاز على  أفضل الحواسب المتطورة لأنه قادر على الاستفادة من القسم العاطفي في دماغه حيث توجد المشاعر والذي يفتقد اليه الحاسوب الالكتروني.  القرارات الصحيحة المتخذة على كل المستويات هي التي تدمج بين المنطق والعاطفة.  فالدماغ الذي يفتقد الى المشاعر والاحساس لا يمكن أن يعطي أفضل النتائج.  فهل نستعمل جزئي الدماغ عندما نأخذ قراراتنا على مستوى الفرد والعائلة والبلد؟  أم نتجاهل هذا التفاعل المهم؟

تكوين المجتمعات يؤثر بشكل كبير على نوعية آليات التنفيذ. فالمجتمعات التي تكون فيها أعدادا كبرى من المتعلمين الذين لا يستطعون الحصول على ما يريدون تكون عموما مجتمعات تعيسة وتغيب فيها القرارات الجيدة.  في عالمنا اليوم، أصحاب الشهادات العالية والاخلاق الرفيعة يتعذبون لأنهم يجدون صعوبة في الحصول على منزل بالمستوى الذي يرغبون وفي الموقع الجغرافي الذي يريدون.  يجدون أيضا صعوبة في الحصول على الوظيفة التي تليق بهم ماديا ومعنويا ومهنيا.

تنتج الولايات المتحدة سنويا فائضا قدره 25 ألف محامي.  في بريطانيا، 30% من المتخرجين يحصلون على وظائف أقل بكثير من قدراتهم العلمية والعملية مما يسبب التعاسة وضعف الثقة بالنفس. لذا نرى أن العديد من المتعلمين والمتخرجين يتطرفون سياسيا نحو اليسار أو اليمين غضبا. في هذه المجمتعات أيضا، يصعب التوافق على الحلول لأن الأفكار كثيرة والاتفاق عليها يكون صعبا.  من هنا ينتج عن هذه المجتمعات المميزة سوء استقرار سياسي.

ما هي الحلول؟  منها توجيه الشباب نحو العلوم المهنية التي يحتاج اليها المجتمع والتي تسمح للانسان بالوصول الى الأهداف المالية والمعيشية بسرعة.  هذا لا يعني أن الخيار يجب أن يكون بين العلوم النظرية والتطبيقية فقط، بل يجب تشجيعهم على اختيار الشهادات المهنية النوعية التي تساهم في بناء الدولة وتعزيز الاستقرارين السياسي والاجتماعي.



أخبار ذات صلة

الأمطار في طرابلس تحولت الى نقمة بفعل الاعمال
السلطات الفرنسية أعلنت بعد مواجهات السبت الماضي أنها ستعيد النظر [...]
حيدر يتفقد اعمال ملعب أنصار (شلبعل) ويعزي باللاعب فحص