بيروت - لبنان 2020/10/21 م الموافق 1442/03/04 هـ

ماذا بعد موسكو وتونس؟

حجم الخط

أما وقد انتهى التحليق الرئاسي بعد زيارة موسكو والاجتماع بالرئيس فلاديمير بوتين وبعد المشاركة في القمّة العربية في تونس، إلى غير ما اشتهته أشرعة الحزب الحاكم، فالمسألة ربما تحتاج الى وقف مسلسل الدوران حول الذات واجتراح الأساطير، والخلود إلى استراحة محارب، لوقت طويل بعض الشيء وقراءة الدروس المستفادة من الزيارتين، علّ ذلك يجدي في الحدّ من النرجسيّة المعتمدة في مقاربة الأمور ويوقف جلد الحلفاء والخصوم على حدّ سواء، ويسقط نظرية المؤامرة الكونيّة على لبنان.
إنّ التمعن في مندرجات البيان الرئاسي الروسي اللبناني، يعكس الفارق النوعي بين الآمال المعقودة والنتائج الواقعية المحققة. الأمر لم يكن يحتاج سوى لبعض الرويّة والتأمل في المصالح الروسية والأميركية، وحقيقة ميزان القوى في سوريا وهشاشة النظام أمنياً واقتصادياً، والأزمة التي تعيشها طهران لإدراك استحالة القفز فوق معادلة المصالح المتشابكة. لقد سجلّت الزيارة إخفاقين في الموضوعين اللذين يظهر أنّها خصصت لهما كما يستدل من تشكيلة الوفد:
الأول، استحالة تسجيل أي اختراق من زاوية مسألة اللاجئين السوريين التي تشكّل إحدى الرهانات الهامة، بل الورقة الأكثر كلفة التي تحاول موسكو عبثاً إخراجها من ملعبها، في حين يمنع الثقل الأميركي الجاثم في سوريا والمنطقة أيّاً من القوى الدوليّة من التفكير في الاستثمار بها. وقد عبّرت عنها بوضوح الفقرة الخاصة بذلك التي تضمّنها البيان «إنّ حلّ هذه المشكلة يعتمد مباشرة على تهيئة الظروف المؤاتية في سوريا، بما في ذلك الظروف الاجتماعية والاقتصادية، من خلال إعادة الإعمار ما بعد الصراع».    
الإخفاق الثاني، هو في استحالة الفوز بأي إشارة روسية لدور حزب الله في الدفاع عن لبنان والذي تطرّق إليه الرئيس عون خلال اللقاء، إذ ركّز البيان المشترك على الحاجة الى تطبيق أحكام قرار مجلس الأمن رقم 1701 والدعم الكامل لمهمة قوة الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). ولم يهمل البيان الإشارة إلى تسويّة النزاع في سوريا من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، استناداً الى قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتّحدة رقم 2254. طبعاً موسكو التي تعتبر أنّ الحجة الأساس التي تركن إليها في دعم النظام السوري هي الشرعية الدولية والشرعية الدستورية التي يتمتع بهما والتي تستند إليهما في نشر قواتها في سوريا، لا يمكنها القفز فوق القرارات الدوليّة كرمى لبعض الحسابات اللبنانية.
في تونس، وبالرغم من إثارة موضوع اللاجئين السوريين من زاوية القلق اللبناني على تحوّل اللاجئين إلى ورقة سياسية والقلق من العودة الطوعيّة التي يصرّ عليها المجتمع الدولي، إلا أنّ البيان لم يخرج عما يتّسق مع النظرة الدولية لمسألة اللاجئين بإقراره بدعم لبنان وبالإشادة بمؤتمريّ روما وباريس، والدعوة إلى حلّ سلمي للمسألة السورية وفقاً للقرارات الدولية. الجزء الأهم من «إعلان تونس» الذي كان موضع إجماع عربي هو رفض التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية، وإدانة المحاولات العدوانية الراميّة الى زعزعة الأمن والاستقرار وما تقوم به من تأجيج مذهبي وطائفي في الدول العربية بما في ذلك دعمها وتسليحها للميليشيات الإرهابية في عدد من الدول العربية، ومطالبة إيران بسحب ميليشياتها وعناصرها المسلّحة من كافة الدول العربية.
في موسكو وتونس شرعيتان. شرعية موسكو هي شرعية القوة العظمى التي فرضتها قدرة التدخل العسكري في الميدان الذي أقرّت به القوى الدولية، والحاجة الدولية لعامل استقرار فرضته هشاشة الأنظمة وفراغ أمني أرساه استفحال ظاهرة الميليشيات المذهبية. شرعية تونس هي شرعية الجيوسياسة التي يكرّسها العمق الجغرافي والممرات المائية وقوة الديموغرافيا والنفط واللغة، وهي اليوم تستعيد حضورها من بوابة فلسطين والجولان والإجماع حول التصدي للاعتداءات الإيرانية على الأمن العربي.
التحليق الرئاسي خارج شروط الشرعيتين كان أشبه بصراع طواحين الهواء. تفرض الدروس المستقاة من التحليق بين الشرعيتين هبوطاً واقعياً داخل جدران الوطن، والقبول بحقائق الجغرافيا والاقتصاد والديموغرافيا، واختبار الذات في القدرة على إنقاذ الاقتصاد والمؤسسات والقضاء من الفساد والطائفية، ففي ذلك  دون سواه يمكن مخاطبة المحافل الدولية وكسب احترامها...
مدير المنتدى الإقليمي للإستشارات والدراسات


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 21-10-2020
21-10-2020
بين التكليف والتأليف قلوبهم على جيوبهم..!