بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

ما بين التكليف والتأليف، أسرار وأخطار

حجم الخط

القفزة المستغربة التي ارتكبها العهد يوم الخميس الماضي تشبه جملة من القفزات المرتبطة بعمق الطموحات الشخصية لأركانه، القديم منها والحديث، فهي طموحات مفعمة بروح المغامرة وصولا إلى حدود زج البلاد والعباد في مهاوي الاحترابات الداخلية وشلّ الحياة السياسية لسنوات عديدة تكريسا لاستهدافات رئاسية، سبق أن تم إنجاحها والدفع بها إلى إطارات التحقق بدعم تحالفي مع دويلة مسلحة ومدججة بارتباطات خارجية لطالما اتّسمت بجملة من التناقضات العدائية مع التيار العوني الممثل أساسا لأقسى الاتجاهات المعادية للنظام السوري ولطالما كان للتيار العوني مواجهات وعداوات حادة مع هذا النظام الذي أطبق على القصر الجمهوري وأبعد رئيس التيار خارج البلاد على مدى سنوات عديدة، إلى أن تطورت الأحوال والأوضاع وصولا إلى تحالف تم ما بين الجنرال عون والسيد حسن نصرالله في كنيسة مار مخايل، بمباركة ورعاية سورية مؤيدة ومواكبة لهذا التطور الإنقلابي، الأمر الذي أدى إلى وصول العهد الحالي إلى سدة الحكم بشعارات «الإصلاح والتغيير»، وبعد مرور ما يزيد على العامين من الفراغ الرئاسي المفروض واربع سنوات من عمر العهد القائم، ما زالت البلاد تغوص في لجة من التخبط والتراجع بعد أن أطبقت على خناقها ممارسات مذهلة متمادية من الفساد السلطوي الشامل الذي أثمر حالة متفاقمة من التدهور العام وحالة من الإفلاس فاقمتها جملة من الأوضاع المستجدة بهول أحداثها ونتائجها وفي طليعتها كارثة مرفأ بيروت وحالة الموت والدمار والخراب التي خلّفتها في جزء كبير من مناطقها العامرة، معطوفة على جائحة الكورونا التي اجتاحت العالم بأسره ونقلته إلى أحواله الخطيرة التي يعاني منها (ولبنان في المعيّة) أقسى وأشد أنواع المعاناة، وصولا في ذلك إلى ما بتنا نشهده من تفاقم أوضاع هذا الوباء الخطير في مجمل أنحاء البلاد وصولا إلى جملة من الوفيات الناتجة عن تعذر وجود أماكن كافية لمصابين قضوا بعد طول انتقالهم ما بين المستشفيات فكان نصيب بعضهم موت مأساوي بعد فشلهم في إيجاد مستشفى يقيهم سوء المصير. 

أرجئت لقاءات التكليف الحكومي إلى اليوم، بعد تأجيل غير مبرر وغير مفهوم لجهة أسبابه الحقيقية، والعهد ومجموعة المسؤولين غارقون في سبات الإستسلام إلى تجاوز خطورة معاناة البلاد على كل صعيد إلى حدود ذكر وزير خارجية فرنسا أنها في حال استمرارها بعد كل المستجدات التي يمر بها لبنان، فإن هذا البلد المنكوب سيكون مهددا بالزوال، وفخامة الرئيس عون نفسه أدلى قبل وقت ليس بالبعيد ردا على سؤال إعلامي عن الحالة التي سيصل إليها لبنان، فقال بصورة تلقائية وعفوية: ستصل إلى جهنم! وتمرّ الأيام وكل ما نسمعه ونشهده من تصرفات تتجاهل الأحوال المأساوية المتفاقمة، بما لا يبشر بأي خير، والحلول غائبة تماما، بما فيه خلوّ البلاد من حكم قائم وحكومة منتظرة. 

أكثر من طريقة مبتكرة لابتلاع الزمن تم ابتداعها، والنتائج المأساوية لمروره وللأحداث التي تزداد قساوة وخطرا، حيث تتفتق بها مخيلات معظم المسؤولين والسياسيين الأفذاذ تفنّنا منهم في حماية نهجهم وسرقاتهم وطموحاتهم إلى بقاء الحال على ما هي عليه من تفلّت وتهرّب من المسؤوليات والعقوبات القانونية والمعنوية.

الاعتراض الأسهل المدلى به من قبلهم: كيف تكون هناك وزارة مؤلفة من اختصاصيين غير منتمين إلى جهات سياسية، رئيسها غير مختص وهو رئيس لتيار سياسي بارز؟! وكيف تؤلف حكومة وهي لا تضم حزبين مسيحيّين أساسيين تتشكل منهم خاصة، الميثاقية المسيحية؟. وتناسى أصحاب هذا الزعم قرابة الثلاثين نائبا مسيحيا مؤيدين لتشكيل حكومة الإنقاذ المنتظرة مشفوعين بتأييد واضح وصريح من القمة الروحية المارونية (البطريرك الراعي) والأرثوذكسية (المطران عودة) وكلاهما سأل المرتدين على توافقات قصر الصنوبر: من منكم يملك ترف الوقت لكي تؤخروا الإستشارات وتأليف حكومة الإنقاذ؟! ومع كل ذلك، ما زال المندفعون إلى تأليف الحكومة المنتظرة يتحسبون لإمكانية إرجاء استشارات هذا اليوم إلى موعد آخر، وفي المؤتمر الصحفي الذي عقده فخامة الرئيس بالأمس وشكا فيه مما يعانيه من عقبات ومعيقات منعته عن أي إصلاح أو تغير كان اللبنانيون يتوقعون من رئيسهم القوي، الأمر الذي (سنعالج ما أثاره فخامته في مجال آخر) آخذين بالإعتبار تلك المصالح المتجذرة التي ما زال بعض المسؤولين يعلكون طيباتها وودائعها المالية المهربة إلى بنوك الخارج وحساباتها المهددة أميركيا وفرنسيا باستعادتها إلى مراجعها اللبنانية المسروقة من مال الشعب والتي أدّت لفرط زخمها وتزاحمها أمام أبواب التهريب المختلفة، إلى أن تدفع بنا جميعا، إلى مهاوي الإضمحلال الوطني والزوال الكياني والإندثار الإنساني. 

مع كل ما ذكرنا، ما زالت معالجة الأوضاع الكارثية غائبة عن الوجود، وعادت حليمة بالمسؤولين على كافة المستويات إلى عاداتهم وسلوكياتهم القديمة، وإذا بهم متواجهين متلاطمين متخاصمين وطعم الجبنة التي أكلوها بكافة الوسائل والاساليب الحرام، يتفاعل مذاقها في أفواههم وينحدر إلى حساباتهم في المصارف وجيوبهم التي لا تشبع ولا ترتدع، وها هم لا يسمعون ولا يقشعون مدى الإذلال والحرمان والإفلاس الشامل للبلاد والعباد، بما في ذلك، مأساة الإنفجار النووي البيروتي التي مرّ على تاريخه الماساوي ما يزيد على الشهرين، أهل النكبة جميعا في بيروت وعلى امتدادات الوطن اللبناني، يتساءلون بذهول لا حدود له، ماذا حصل؟ ماذا فعلت الدولة بكل خيوط وأصول وفصول هذه المأساة؟، من هو المسؤول الحقيقي عما حصل؟ من يقتص للضحايا والمصابين ويعوّض على المنكوبين ويعيد إليهم بيوتهم وحياتهم الطبيعية؟ ويسود الإعتقاد لدى المنكوبين من كافة مستويات النكسة، أن الجريمة الكبرى هي قيد اللفلفة وهناك اتجاه لتحميلها إلى صغار الموظفين، وفي مطلق الأحوال هم يتابعون عملية التكليف والتأليف المعقدة بكل اهتمام لعل بعضا من حقوقهم المعنوية والمادية يتم استرجاعها إلى مواقع العدالة والعقاب العادل. في مطلق الأحوال، لعل بعض ما ورد في هذا التعليق، ردٌّ ما على ما أدلى به فخامة الرئيس في مؤتمره الصحفي بالأمس، (ولنا عودة تفصيلية إليه). 

daouknet@idm.net.lb



أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 5-12-2020
عناصر الحراك المدني امام مبنى الـESA في كليمنصو اعتراضاً على تواجد سلامة هناك (تصوير: محمود يوسف)
الحريري لن يتراجع.. والفريق الرئاسي مطالب بالتخلي عن الأساليب الملتوية!
أمير الكويت: الاتفاق الخليجي لمصلحة دول المنطقة