بيروت - لبنان 2018/11/14 م الموافق 1440/03/06 هـ

محكمة لاهاي: لبنان أولاً..

حجم الخط

مواكبة الرئيس سعد الحريري بشخصه وبحضوره جلسات المرافعة لدى محكمة لاهاي في بدايات المراحل النهائية في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كانت وستبقى، مؤشرا وتأكيدا على أن اغتياله كان جريمة العصر الكبرى، لم ترتكب ضد شخصه وصفاته وكفاءاته الفذة فحسب، بل هي ارتكبت مستهدفة لبنان كله وحكم عليه باستمرار مرحلة الوصاية السورية إلى ما شاء الله، وشاء المتحكمون في دمشق.
ولكن الإرادة الإلهية، سرت على عكس التوجهات الوصائية والأقوال الشعارية، فتمت عملية الإغتيال على أيادٍ مجرمة، وسريعا ما توالت الأحداث، فأخرجت قوات النظام السوري من «أرض الوصاية»، وسرت في البلاد مسيرات مليونية وإرادة وطنية أسهمت في تسريع خروج الأوصياء من لبنان المنكوب، كما أدتّ إلى تكاتف وطني منظم متمثل في إئتلاف الرابع عشر من آذار، عميق الأسس، شديد التأثير في مسيرة البلاد نحو أفق وطني جديد، إلاّ أن الظروف والأوضاع المستجدة اجهضت، مع الأسف الشديد، وحدته العملانية دون أن تتمكن من إجهاض مبادئه المتطلعة إلى لبنان الواحد السيد الحر المستقل. 
الذين اغتالوا الرئيس الشهيد، وهم اليوم معروفون بالأسماء ومحدّدون بالانتماء، وقد جاءت مطالعة المدعي العام شاملة لأدق وأوسع التفاصيل التي تجعل من إدانتهم اللاحقة بموجب حكم تصدره المحكمة الدولية مرجّح الحصول، قد كانوا ضالعين في الواقع في جرم سيسجله عليهم التاريخ، اذ طعنوا لبنان والمرحلة الإصلاحية والإعمارية فضلا عن الوطنية والتوحيدية التي أعقبت حربا ضروسا لم تبق ولم تذر، وقد جاء ذلك العملاق المنقذ الذي كانت له جهوده ومساهماته التوفيقية والتنسيقية في مؤتمر الطائف، ذلك المؤتمر الذي وضع حدّا للإحتراب اللبناني وللإنقسام الوطني موفّرا المجال لانطلاق سلام وطني وتأسيس دولة وجهت كل جهدها لعملية البناء والإعمار، فأزالت غبار المعارك وانقاض الدمار والخراب عن معالم لبنان التي طاولتها أحداث جسام بمدنها وقراها وبشكل خاص، بعاصمتها بيروت، التي أعادها رفيق الحريري إلى ما كانت عليه لؤلؤة العواصم المتجددة بعد أن أضاف إليها عمرانا جديدا وتطويرا هائلا في بنيتها الإعمارية والتجارية والاقتصادية، دون أن ننسى مطارها الذي أعاد إليه صفات ومعالم ومزايا المطارات الحديثة فاستكثر عليه البعض إضافة إلى طاقاته الاستيعابية الضئيلة، قدرة جديدة على استيعاب خمسة ملايين مسافر، فاستنكر أصحاب الرؤى الضيقة آنذاك هذه المبالغة في الطموح، وهم اليوم يأخذون على المطار وعلى المسؤولين، إفتقاره إلى قوة، استيعابية ناهزت ضعف ما هو عليه اليوم، بل إن بعض الموتورين أظهروا ضغائنهم المستهجنة من خلال وسائل الإتصال الإجتماعي المتفلت، حيث استكثروا على المطار تسميته باسم الرئيس الشهيد!  
الذين اغتالوا رفيق الحريري، اغتالوا معه ذلك الرجل الذي أطلق إلى الوجود تلك الرؤية التربوية والتعليمية الفريدة من نوعها في العالم، حيث عمد شخص عصامي بطاقاته المنفردة التي أنعم الله عليه بها من خلال كده وجهده وطموحه الذي لا يحد ونظرته إلى بناء الغد اللبناني على أيدي ألوف مؤلفة من الشابات والشبان الذين أطلقهم إلى أرقى وأهم جامعات العالم، وكانوا نخبة فاعلة من مواطني هذه الأيام، وقد عاد بعضهم إلى الوطن المتلهف إلى إنتاجهم وعطائهم، حيث أسهموا في تطويره وإعماره ورفع مستوى الفكر والثقافة والتفوق على مدى أراضيه، وابقت الظروف القاسية خاصة منها الناشئة بعد عملية الإغتيال، أعدادا أخرى من خريجي الوفود التي أرسلها رحمه الله إلى الخارج لتحصيل العلم بأوسع آفاقه دون تفريق بين من أرسلهم في الطوائف والمذاهب والمناطق، فكانوا طلابا من جميع الفئات والجهات، وكان رحمه الله، «أبو الكل» قولا وفعلا وممارسة عملانية ناجحة، لم تتوقف عن الإنتاج والعطاء والتطوير إلاّ بعد أن امتدت إليها أيادي الغدر الإجرامية.  
أما عن موقفه من المقاومة ضد العدو الإسرائيلي ومن المقاومين اللبنانيين على اختلاف انتماءاتهم وفي طليعتهم حزب الله، فحدث ولا حرج، وكم من المواقف اتخذها ذلك الرجل الممتلئ أصالة ولبنانية وعروبة وكان فيها مدافعا عن المقاومة وممثلا لمصالحها وبندقيتها المدافعة عن أرض الوطن والموجهة إلى العدو الإسرائيلي، وفي حياته، لم تكن هناك امتدادات إلى الخارج للمقاومة مبالغ فيها كما لم تكن هناك مبادئ وايديولوجيات لا يجمع عليها اللبنانيون، كما لم تكن المقاومة قد غطست في حروب الخارج التي قرر اللبنانيون عموما في هذه الايام العصيبة، النأي بأنفسهم عنها، لذلك، فهم يأسفون كل الأسف لهذا الواقع المرير الذي أوجدت نفسها فيه، حيث تصب تحقيقات وإجراءات محكمة لاهاي متمثلة في مطالعة المدعي العام لدى تلك المحكمة، لتوجه الاتهام المباشر إلى عناصر من حزب الله وهي مرتبطة بأجواء مقاومة أيدها اللبنانيون بالإجماع ذات يوم كانت تحصر فيه نشاطاتها بالدفاع عن الأرض اللبنانية ومنع العدو الصهيوني عن ممارسة عدوانه عليها ومطامعه تجاهها... ومع ذلك كله، يتابع اللبنانيون وفي طليعتهم ابن الرئيس الشهيد، رئيس الوزراء الحالي سعد الحريري تلك المحاكمة وقد قرروا ألاّ تكون مهما كانت أحكامها، مجالا لاختلاق نتائج سلبية تطاول الوضع اللبناني شديد الحساسية والقابلية لأي نوع من أنواع التفجير، بل يتوقعون حكما يعلمهم ويؤكد لهم حقيقة الاغتيال الظالم لضحيته الأساسيتين: الرئيس الشهيد ولبنان المعاني والمكابد. وبالتالي، يستحصلون منه آثاره المعنوية التي تزيدهم تقديراً لعطاءات الرئيس الشهيد بما يعيد الوطن كله إلى جادة الصواب من دون أن يكون أحد منهم لاعبا بالنار، آملين أن يكون مثلهم أولئك الذين سبق لهم أن لعبوا بها إلى أقصى الحدود. 

المحامي محمد أمين الداعوق
daouknet@idm.net.lb



أخبار ذات صلة

يا شعب لبنان العظيم لا أمل عندنا ولا مستقبل لنا. [...]
القبض على لبنان .. هل يحمي إيران؟
الخلل والإحباط في الشارع السنّي / ٣ المظلومية في السياسة [...]