بيروت - لبنان 2018/06/24 م الموافق 1439/10/09 هـ

مرسوم التجنيس ونعش الطائف

حجم الخط


لا يستطيع كلّ جهابذة القانون وأدعياء المعرفة به من طالبي الإستيزار أو من الحزبيين المغالين الدفاع عن مرسوم التجنيس. القول أنّ هناك مراسيم مماثلة سبق أن وُقعّت وصدرت ونُشرت أو لم تُنشر لا يبرر إصدار هذا المرسوم، فالبناء على الخطأ هو إمعانٌ في الخطأ وليس تبريراً لتحويل الخطأ الى قاعدة. 
المرسوم إستفز اللبنانيين. هم الذين لم يستفيقوا بعد من صدمة الإنتخابات النيابية التي حازت بقانونها وإجراءاتها ونتائجها وصناديقها المنتشرة في أصقاع الدنيا وفي الحدائق العامة كلّ عناصر الإحباط والخيبة، وهم الذين يشهدون عمليات الكرّ والفرّ في تقاسم السلطة ويستشعرون هول الأزمات الإقتصادية القادمة. ما استفز اللبنانيين أنّ المناخ المتوتر الذي يشوب عملية تشكيل الحكومة بين خصوم سياسيين مفترضين، لم يمنع هؤلاء من تمرير مرسوم لا يتقاطع مع أولوياتهم الحياتية والإقتصادية. أجل، إستفزهم هذا التضامن بين أركان السلطة على تمرير مرسوم بطريقة غامضة في الوقت الذي يعجزون فيه عن الإتفاق على أبسط الموجبات الوطنية. 
إستفزهم كذلك تقاذف المسؤوليات. المرسوم الذي يمنح مجموعةً من الأشخاص سجلات قيد لبنانية ويدرجهم مستقبلاً على لوائح الشطب ويعطيهم حق الإقتراع، ويسمح لهم بالإستفادة من التقديمات الطبية كمواطنين، ويدرجهم على لوائح المكّلفين بالضرائب أضحى مكتوم القيد، لا أحد يريد تبنيه. بعض أركان السلطة يدعو المواطنين إلى ترك أعمالهم وتزويد الإدارة بمعلومات عن عدم مستحقي الجنسية ويذهب البعض الآخر الى المطالبة بإجراء فحوصات الحمض النووي( (DNA للتحقق من هوية الوالد «أبو المرسوم». 
الرئاسات الثلاث التي هالها دون شك ردة الفعل على المرسوم، تداعت لتوحيد الموقف من مسألة الحدود البحرية ومن مسألة التجنيس فنشر الغسيل على السطوح ليس من مصلحة أحد. إنّ القول أنّ هذا المرسوم هو من حق رئيس الجمهورية ليس سوى محاولة للدفع باتّجاه وقف الحملة على المرسوم والإختباء وراء الرئيس كونه الحلقة الأقوى في النظام، وتكليف رئيس الجمهورية للمدير العام للأمن العام بإعادة التدقيق في مستحقي الجنسية هو قرينة لا تقبل الشك بأنّ عيوباً كثيرة تشوب هذا المرسوم وأنّ كتبة السلطان لدى كلٍّ من الرئاسات قد ذهبوا إلى أبعد من الممكن. 
إنّ تناول الأسماء المدرجة في المرسوم ليس في محله، مؤقتاً على الأقل، كون ما سُرب منها ليس نقلاً عن وثيقة رسمية وهو يبقى حتى الآن في خانة التخمين، ولكن التعتيم عليها يوشي بعدم القدرة على تبني إدراجها سواء لإرتباطاتها السياسية أو لمشبوهيتها الأمنية والمالية أو لصعوبة تبيان الأسباب الموجبة لمنحها الجنسية.
ولكن الدفوع الشكلية التي أبداها من استثارتهم الحملة المحقّة على المرسوم إلى جانب الصمت الذي أبداه البعض الآخر، عبّرت عن استسهال فاضح لتجاوز الدستور والقوانين وتكريس أعراف في ممارسة السلطة لتبرير أي تجاوز. 
أولاً في تجاوز الدستور، إعطاء المرسوم توصيف المرسوم الإفرادي وجواز عدم نشره: 
لقد حدّدت المواد 53-54 و56 و57 و 64  من الدستور حالات توقيع المراسيم لرئيس الجمهورية والتي يشترك في التوقيع عليها مع رئيس الحكومة والوزراء المختصّون، وإلزامية إصدارها وطلب نشرها. ليس هناك أي مرسوم يتّخذ خارج مجلس الوزراء باستثناء مرسوميّ تسمية رئيس الحكومة وقبول إستقالة الحكومة، كما إنّه ليس هناك أي مرسوم يسمّى مرسوماً إفرادياً ، فالمراسيم نوعان إشتراعية وعادية ونفاذ جميع المراسيم يرتبط بنشرها في الجريدة الرسمية، وليس هناك مكان آخر تُنشر فيه المراسيم. 
ثانياً، في تجاوز القانون: لقد أقرّ المجلس النيابي القانون رقم 28 بتاريخ 10/2/2017 والذي ينصّ في المادة الأولى منه على «الحق لكل شخص طبيعي أو معنوي الوصول الى المعلومات والمستندات الموجودة لدى الإدارة والإطلاع عليها وفقاً لأحكام هذا القانون مع مراعاة عدم الإساءة في استعمال الحق». وأدرج القانون في المادة الخامسة منه المستندات غير القابلة للإطلاع وهي تلك المتعلّقة بأسرار الدفاع الوطني والأمن القومي وإدارة العلاقات الخارجية ذات الطابع السّري وتلك المتعلّقة بالمصالح المالية وسلامة الدولة ووقائع التحقيقات والمحاكمات السريّة والخ...ولم يُدرج فيما بينها المراسيم على أنواعها. 
المفارقة الكبرى التي تُعتبر سابقةً تتمثل في الإعتداء على مقدّمة الدستور لا سيما الفقرة «هــ» التي تنصّ على فصل السلطات وتعاونها وتوازنها. لقد تقدّم كلّ من الحزب التقدمي الإشتراكي وحزب الكتائب اللبنانية وحزب القوات اللبنانية من وزارة الداخلية للحصول على نسخة من المرسوم. المشهد الخارق للدستور وكلّ الأعراف هو أن تقف هذه الأحزاب الثلاثة التي لها تمثيلها الشعبي والنيابي أمام أسوار وزارة الداخلية وتعود خائبة، مما يؤسّس لسابقة خطيرة في تأسيس لنوعٍ من اللامركزية ضمن السلطة التنفيذية ولتطاول جزءٍ من السلطة التنفيذية على ممثلي الشعب الذي يعتبره الدستور مصدر السلطات.
يضاف مرسوم التجنيس بإشكاليات إعداده وتوقيعه وأصداره ونشره إلى مجموعة من الطقوس والأعراف الخارجة عن الدستور، وهو غيض من فيض تقلص صلاحيات رئاسة الحكومة وجزء من إحتفالية كتبة السلطان في السير بنعش الطائف على درب الجلجلة.. 
* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات
Twitter: @KMHamade
khaledhamade@rfcs-lb.org



أخبار ذات صلة

أزمات الوطن تُبقي الدولة مُعلّقة…
بانتظار تشكيل الحكومة: يكون لبنان أو لا يكون
"الجنسية ليست هدية"... القوات قدمت طعناً بمرسوم التجنيس