بيروت - لبنان 2018/10/15 م الموافق 1440/02/05 هـ

مفهوم القوة لدى «العهد القوي»

حجم الخط

في توصيف لما هو حاصل في هذه الأيام على الساحة اللبنانية من تصلب في مواقف السياسيين، وتغوّل متبادل حول توزيع المقاعد الوزارية في ما بينهم، ومطامع لا تحد حول المقاعد السيادية وما يوازيها من وزارات تبيض ذهبا وفضة، شبّه أحد كبار رجال الدّين ما هو حاصل على الصعيد الوطني العام، بطائرة أحاطت بها العواصف والمطبّات الهوائية من كل جانب فعرضتها للأخطار المميتة، ونتيجة لذلك طُلب إلى الركاب التهيؤ للخروج من الطائرة وترك حقائبهم حيث هي نجاةً بأنفسهم. الذي يحصل في لبنان مع معظم زعمائه ومسؤوليه أنهم لا يتمتعون بأي حسٍّ من المسؤولية الوطنية دونما أي تلمّس لما يعانيه الوطن ككل، من مخاطر وجودية تكاد أن تودي به وبمواطنيه. وهم يتشبثون بحقائب أشبه بتلك الحقائب التي لا قيمة لها بالنسبة لركاب الطائرة التي تواجه أخطار التهاوي والسقوط وتواجه حياتهم نفسها وضعية الموت والهلاك. 
ولكمْ سمعنا كلاما عن الأوضاع، والأقوال المتقاربة في الأيام القليلة الماضية، تذهب إلى نفس المعنى وتحذر من أخطار كبيرة محدقة بهذا الوطن الذي عبثت باستقراره واستمراريته وهددت أسس وجوده. فغبطة البطريرك الراعي تساءل في عظة له ألقاها في كندا بين جمع من المغتربين: هل من المعقول أن يتشبث كل مسؤول بحصته دون أن يسأل عن حصة الوطن؟ الدول الخارجية تتفرج علينا وهي تتساءل باستغراب: أي نوع من السياسيين يتحكمون بلبنان، مشيرا إلى أن الوضع الإقتصادي يمر بمرحلة خطيرة جدا جدا، متجاوزا بذلك جملة من «التطمينات» شبه المصطنعة والمواقف غبَّ الطلب التي يتحفنا بها بعض المسؤولين الماليين والمجتهدين في رحاب المال والاقتصاد. 
دون أن نغفل في هذا المجال ما قاله الوزير ياسين جابر الذي أولِيَ المنصب الوزاري تكرارا، وكانت الكهرباء محطته الكلامية التي تناول فيها الأوضاع العامة، السياسي منها والاقتصادي،  ففي السياسة، قال بصراحة ووضوح: ان هذا العهد يكاد أن يخرب البلد، وهو قول انتشر من خلال هذا التصريح العفوي سواء بواسطة وسائل التواصل الإجتماعي أم بواسطة الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، وتضاعفت أهميته لكون الوزير جابر ينتمي إلى كتلة الرئيس بري، فسرى ظنٌ بأنه يرد صاعا إلى الصفة المؤسفة التي سبق للوزير جبران باسيل أن أطلقها «بعفوية مماثلة» بحق الرئيس برّي، عندما نعته بالبلطجي، وقد أضاف الوزير جابر إليها معلومات شديدة الأهمية حول الكهرباء وتاريخها المتهالك منذ أن تولتها جهة ما طوال عشر سنوات، وتشبثت بها إلى حدود المباطحة والمشاكسة والإصرار، فكانت النتائج التي فصّلها الوزير جابر والتي تفوح منها كل أنواع الإتهامات بما فيه أسوأها، وكان الرد عليه من خلال تصريح لوزير الكهرباء ابي خليل توّجَهُ بموقف «مأثور» ذهب فيه إلى أنه إذا تبنى الوزير جابر هذا التصريح هو أو فريقه السياسي، سنبني على الشيء مقتضاه، مع أن أقوال الوزير جابر جاءت على لسانه واضحة وضوح الشمس بصوته وقوله وأسلوبه، وهو لم يخفه ولم يحوّره ولم يوجه اعتذارا عنه. 
وعندما يتعرض الوزير جابر إلى العهد متجاوزا كلَّ الدفاعات المتنوعة التي تذهب إلى أن هناك من يتقصد الهجوم عليه، فيكفي أن نشير إلى سلسلة العداوات والخصومات التي حصّلها العهد تباعا وعلى مدى العامين الذين مرّا على ولايته، وذلك مع معظم قادة وزعماء وأحزاب وتكتلات هذا البلد، وله في ذلك معالي وزير الخارجية جبران باسيل، خيرَ معين ومنفّذ، وخير ناشر للخصومات والثغرات، مشيرين إلى ما أنشأه تصرف جهاته وفئاته بصدد التشكيلية الوزارية التي وقف الرئيس عون حائلا دون إصدارها، آخذا بعين الاعتبار بمعايير خاصة به وبعهده، وبطريقته في النظر إلى أحوال البلد والوسائل التي تمكن تحقيق إنقاذه وخلاصه، معتبرا أن من حقه الإمساك بكل مقاليد البلاد، والتحسب الغريب تجاه أي احتمال يدفع بالمسيرة السياسية إلى منطلق لا يصب بالنتيجة في صالح تطلعات الوزير باسيل الرئاسية، دون أخذ بالاعتبار طموحات بعض الزعماء المسيحيين الآخرين من الصفوف الأولى، من خلال إعلانه المسبق وقبل أربع سنوات من حياة عهده المتبقية، أن الوزير جبران باسيل يعاني من خلال كونه الأبرز بين المرشحين المقبلين للرئاسة، وفي سبيل تحقيق هذه الغاية تهون كل التضحيات وكل الاتفاقات المسبقة.
وها هو اتفاق معراب يلقى حسابا عسيرا من خلال الرجوع عنه وعن تواقيعه، وها هي القوات اللبنانية وقد حققت إنتصارا نيابيا هاما رفع نوابها إلى خمسة عشر نائبا، فأدى ذلك إلى نتيجة سلبية تراجع فيها التيار الوطني الحر عن اتفاق معراب نتيجة لاحتسابات احترازية والغائية تجاه القوات واتفاقه معها، وها هو الوزير جنبلاط يعاني من تحرش عميق الأثر واسع الغايات من خلال تدخل الآخرين في الساحة الدرزية، وها هي محاولات تتم وتتراكم فيها لمنع رئيس الحكومة المكلف من أداء واجبه الدستوري بالتشكيل، وها هي التشكيلة الوزارية الأخيرة ترفض وتحفظ في الجوارير، وها هي المحاولة لفرض وزراء سنّة فرادى في تمثيلهم ومنتمين إلى جهات وأحزاب هي في الغالب مرتبطة بقوى الممانعة ممثلة خاصة بحزب الله وبالنظام السوري، وها هو الوضع المتأزم القائم يبعثر إنجازات اقتصادية كان من الممكن ان تتحقق لو سريان الأمور مسهلا وداعما عملانيا لترسيخ الاستقرار في البلاد وممكّنا الدول المانحة من تنفيذ تعهداتها للبنان في مؤتمر سيدر، وها هو العرّاب الدولي لهذا المؤتمر الرئيس الفرنسي ماكرون، يضرب كفا بكف ويؤجل زيارته التنفيذية للبنان مرة إثر مرة، ويفشّ خلقه من خلال التساؤل أمام الرئيس الحريري الساعي الأول لتحقيق نتائج هذا المؤتمر الذي يصب في مصلحة لبنان وحده لا شريك له، وترسيخ أسس نهضته ومصلحته العليا، وها هو العهد القوي، يتباطأ في خطاه، ولبنان يمر في مرحلة مترجرجة وخطيرة الوقع والأثر، مفوتا الفرص وموغلا في سياسات شديدة الاضطراب. وقى الله لبنان من نتائج يخشى الجميع تحققها، لعلها بين الأسوأ في ما مرّ عليه من توقعات. 

daouknet@idm.net.lb 



أخبار ذات صلة

آلية تشكيل الحكومة في الدستور والملابسات
الوطن ليس بخير!
تفاءلوا بالحلّ تجدوه... ولكن؟