بيروت - لبنان 2020/05/28 م الموافق 1441/10/05 هـ

من يصرخ: دعونا من هذه المهزلة ؟

حجم الخط

لا يُمكن الرهان على إنقاذ لبنان من دوامة الأزمات الخانقة التي يتخبّط فيها، في ظل الانقسامات السياسية، والصراعات الحزبية، وما يُحيط بها من فقدان للرؤية الاستراتيجية الضرورية، والقابلة للتنفيذ في إطار زمني محدد، وتحقيق الإصلاحات المالية والإدارية الموعودة. 

الخطة الاقتصادية التي أقرتها الحكومة الأسبوع الماضي، تعرضت للاهتزاز منذ الساعات الأولى لولادتها، وبدأ القصف عليها أولاً من أطراف مشاركة في الحكومة، قبل ظهور انتقادات المعارضة، وجاهرت قطاعات اقتصادية رئيسية بعدم موافقتها على بعض ما ورد في الخطة، في حين شككت قطاعات أخرى في قدرة الدولة على تنفيذها، في حال تأخر وصول المساعدات الخارجية. وذهب العديد من الخبراء أبعد من ذلك حيث اعتبروا الخطة مجرد أمنيات واقتراحات، ستبقى حبراً على ورق!

الواقع أن تجارب الدولة اللبنانية في تقديم الخطط الإصلاحية، تشكّل تاريخاً طويلاً من النكوث بالتعهدات بسبب الخلافات والكيديات السياسية، التي يدفع البلد أثمانها الغالية، منذ مؤتمرات باريس١ و٢ و٣، وما تلاها من مؤتمرات للدول الداعمة للبنان، والتي كان آخرها مؤتمر «سيدر» عام ٢٠١٨، الذي أقر مساعدات وتسهيلات وقروض ميسّرة بأحد عشر مليون دولار، مشروطة بإطلاق ورشة إصلاحات حقيقية مالية وإدارية، توقف الهدر والنهب، وتضع الدولة على سكة التنمية الحقيقية.

فهل سيكون مصير الخطة الحالية، والتزاماتها الإصلاحية، أفضل من سابقاتها؟ 

ليس في الأفق ما يدعو للتفاؤل، لأن مُسببات إخفاق الخطط السابقة ما زالت تتحكم بالوضع السياسي، من انقسامات وكيديات، ومحاولات التسلط على السلطة، والاستئثار بالقرار من قبل فريق رئيس الجمهورية وتياره الحزبي، فضلاً عن التباينات الجوهرية الحاصلة بين مكونات الحكومة نفسها. 

وفي مثل هذه الأجواء من التوتر وشد الحبال، فقدت جولة المشاورات التي يُجريها رئيس الجمهورية بعد غد الأربعاء في بعبدا مع رؤساء الكتل النيابية، أهميتها الوطنية والسياسية، لأنها جاءت متأخرة، بعد إقرار الخطة الحكومية، وإثر إرسال طلب المساعدة والمفاوضة مع صندوق النقد الدولي. مما يعني أن الخطة أصبحت أمراً واقعاً، والاجتماع هو فقط من باب رفع العتب، والتزام حدود المجاملة مع ممثلي الأمة. 

المجال لا يتّسع للخوض في تفاصيل الخطة وتناقضاتها، ونكتفي بالإشارة إلى بعض النقاط التي تُثير الجدل، والكثير من الانتقادات في الوسطين السياسي والاقتصادي، ومن شخصيات نيابية هي في صلب الكتل المؤيدة للحكومة. 

الخطط الاقتصادية الإنقاذية لا تقوم عادة على عمليات حسابية صمّاء، بحجة السعي لتخفيض الإنفاق والحد من العجز، من دون الالتفات إلى متطلبات تحريك العجلة الاقتصادية، والحفاظ على الحد الأدنى من معدلات النمو. 

التجارب الناجحة للدول التي مرّت بأزمات مشابهة، ركزت على إعطاء الأولوية لإنعاش الاقتصاد، من خلال سلسلة قرارات وخطوات، تبدأ بتخفيض الضرائب مع تنزيل ملموس للفوائد المصرفية، وبإعداد رزم من الحوافز التشجيعية، بما فيها إعفاءات من الضرائب والرسوم، للخروج من الركود الاقتصادي القاتل، وإعادة إنعاش مختلف القطاعات الإنتاجية، وتأمين فرص العمل للذين فقدوا وظائفهم وأعمالهم بسبب الأزمات المتراكمة، كما هو الحال راهناً في لبنان. 

تلك الدول استطاعت التغلب على الأوضاع الصعبة بخطط إصلاحية واقعية وعملية، كسبت من خلالها ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات المالية الدولية، التي بادرت إلى مد يد الدعم والمساندة، بعدما تأكدت من احترام كل دولة لتعهداتها، وأقرب مثلين تجربتي اليونان ومصر، اللتين حظيتا بمساعدات كبيرة، على ضوء الجدية التي أظهرتاها في تنفيذ الإصلاحات اللازمة. 

السطو على أموال المودعين صغاراً وكباراً، سواء من قبل الحكومة أو المصارف، لا يمت للإصلاح بصلة، بل هو إمعان وإفراط في ممارسة أبشع أساليب الفساد، فضلاً عما ينطوي عليه من مخالفات دستورية فاضحة، لأن الدستور اللبناني يضمن الملكية الفردية. 

إن الاستسهال في مد اليد على أموال المودعين لتغطية العجز الحاصل بسبب الأموال المنهوبة من المنظومة السياسية، يعني أن الحكومة غير قادرة على تنفيذ تعهداتها في استرداد تلك الأموال، رغم الكلام الذي نسمعه من كبار المسؤولين ليل نهار، وبغض النظر عما ورد في الخطة الاقتصادية من بنود والتزامات لاستعادة مئات المليارات من الليرات التي خرجت من الخزينة إلى حسابات أكلة الجبنة من السياسيين المتواطئين في ما بينهم. 

أما ترك هذا الانحدار المخيف بقيمة الليرة، من دون وضع سقف محدد لارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي، وترك وحش الغلاء على غاربه، يلتهم كل يوم المزيد من لقمة عيش هذا الشعب الصابر، فهو العجز الفادح عن السيطرة على الحد الأدنى من متطلبات الأمن الاجتماعي، وتجنيب البلاد والعباد المزيد من الاضطرابات والخضات الاجتماعية، وتفجير ثورة الجياع التي قد تُطيح بما تبقى من مقومات الأمن والاستقرار في البلد، ولا تعود تنفع معها كل الخطط والتنظيرات الساذجة. 

لبنان على مفترق مصيري حاسم وبالغ الخطورة، وأهل السلطة ما زالوا يلهثون وراء الصفقات والمصالح الأنانية والفئوية! 

فهل ثمة صوت عاقل يصرخ: دعونا من هذه المهزلة، ولنستفيد من تجارب الدول الناجحة في التغلب على أزماتها وصعوباتها المالية والاقتصادية؟







أخبار ذات صلة

جريصاتي لـ"الجديد": أتفهّم توجّس نواب اللقاء الديمقراطي من القضاء لأنّ [...]
قطع السير على اوتوستراد طرابلس محلة جسر البالما بالاتجاهين
مصدر في التيار الوطني الحر لموقع mtv: الحقيقة ان الجميع [...]