بيروت - لبنان 2019/12/06 م الموافق 1441/04/08 هـ

نعدك.. لن نستسلم أمام المغامرين

حجم الخط

في مثل هذه الأيام غادرْتَنا إلى دار البقاء، بعد مسيرة نضالية مميّزة، جمعت بين الوطنية اللبنانية والعروبة القومية، والمبادئ الإسلامية السمحة، في تجربة فذة تركتها أمانة في أعناقنا لمتابعة الطريق من بعدك.

تركتنا قبل عامين، وهاجسك الدائم وحتى اللحظات الأخيرة، هو «الوطن الرسالة»، الذي كنت تؤمن أن لا ضرورة لوجوده إذا لم يُحافظ أبناؤه على نقاوة وتوازن صيغة العيش الواحد، والتي تصلح لتكون نموذجاً للآخرين.

لعلك فضّلت الابتعاد والارتياح في دنيا الحق، لإدراكك بأن الرياح الداخلية والعربية تجري بعكس ما كنت تعمل لأجله وتتمنى، رغم كل الجهود وتضحيات الشعوب التي بُذلت على مرّ عقود من الزمن، وبنينا على آمالها الكثير من الأحلام.

النيران ما زال أوارها مشتعلاً حولنا في دنيا العرب، لا سوريا خرجت من أتون الفتن، ولا العراق استعاد استقراره واستكمل عودته إلى الفضاء العربي، وليبيا ما زالت تنهش في شعبها حروب الأشقاء على أرضها، واليمن لم يعد سعيداً بعد تداعيات انقلاب الحوثيين على اتفاقية الوفاق الوطني، والوضع العربي ما زال أسير الانقسامات العربية، والتمدّد الإيراني يهدد استقرار المنطقة العربية، ويتغنى بعض مسؤوليه بإحياء خريطة الأمبراطورية الفارسية.

أما فلسطين، التي عاشت في وجدانك كل حياتك، وزرت قدسها الشريف قبل أشهر من سقوطها في نكسة حزيران ١٩٦٧، وساهمت في إطلاق ثورتها عام ١٩٦٥، مع القادة التاريخيين أبو عمار وأبو جهاد وأبو إياد، فهي ما زالت ضحية الانقسام الفلسطيني أولاً، والتخاذل العربي ثانياً، ثم التآمر الأميركي  الإسرائيلي ثالثاً ورابعاً وخامساً. ولكن إرادة الشعب الفلسطيني البطل، والتي عرفتها عن كثب في مسيرتك القومية، ما زالت تُشكّل الحصن الأول لمسيرة النضال البطولي المستمر بأرواح ودماء الشيبة والشباب، الرجال والنساء، الآباء والأمهات، الذين يزرعون دماء الشهداء في الأرض الطاهرة، حتى تبقى فلسطين عربية، ويتحقق الحلم التاريخي بإقامة الدولة الوطنية وعاصمتها القدس.

ماذا أقول لك عن حالتنا في هذ الوطن الحبيب لبنان؟

كنت أتمنى أن أختصر الوضع بالقول: أن الأمور ما زالت تراوح مكانها! ولكن، وبكل الحزن أعترف أن الأوضاع في البلد، الذي أحببت، ورفضت الهجرة منه في أصعب الأوقات، تتراجع القهقرى إلى الوراء بوتيرة مخيفة، وغير مسبوقة، حتى في سنوات الحرب البغيضة.

 لن أطيل عليك شرح الأسباب والمسببات، فأنت كنت تعيش الكثير من تفاصيلها، ولكن المشكلة المستجدة اليوم أن ثمة فريقاً يستقوي بالسلطة، والشعارات الشعبوية على شركائه في الوطن وفي الحكم، لدرجة أن ما يُعرف «بالتسوية الرئاسية»، التي أوصلت العماد عون إلى قصر بعبدا أصبحت مهددة، بعدما كاد أحد أطرافها الرئيسيين أن يتحوّل إلى ضحية، بسبب تسلط الشريك الآخر على صلاحياته، ومحاولاته المستميتة في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى دستور الجمهورية الأولى.

لا داعي لتعكير صفاء تفكيرك في الحديث عن الفساد، فأنت كنت من أشد أعدائه اللدودين، ولكن لا بدّ من القول بأن كل الكلام عن مكافحة الفساد في هذا العهد، بقي شعارات ومجرد خطابات حبراً على ورق، وما زال الفاسدون يرتعون ولا يشبعون، وَفَاق حجم الفساد أحجام مطامر النفايات التي تفوح منها كل روائح العجز والفساد.

وأخيراً، يا رفيق المعاناة والدرب الشاق الطويل، نعدك بأننا لن نستسلم أمام المغامرين، ولن نتخلى عن سياسة الحوار والاعتدال، ولن نتهاون في الدفاع عن السلم الأهلي والاستقرار، حتى يعود لبنان كما تمنيته دائماً وطن العيش الواحد والوفاق والازدهار!

 ** لمناسبة الذكرى الثانية لرحيل عميد اللواء عبد الغني سلام.



أخبار ذات صلة

صقور السعودية لتأكيد مؤهلات الجيل الجديد الواعد بقيادة المدرب المحنك رينارد
خليجي 24: لقب رابع لصقور السعودية ام اول تاريخي للبحرين
أيام بيروتية (6): الأسطول الروسي يُخرج الجزار من بيروت والأمير [...]
محرز لفك عقدة يونايتد التي يتشاركها مع صلاح