بيروت - لبنان 2020/09/18 م الموافق 1442/01/30 هـ

هل تُشبه انهيارات اليوم حربي التحرير والإلغاء..؟

حجم الخط

وضعت عاصفة الانهيارات المتتالية لبنان على مفترق مفصلي جديد، مشابه للوضع الكارثي الذي كان يرزح تحته، إبان حربي «التحرير» و«الإلغاء»، اللذين خاضهما العماد ميشال عون عامي ١٩٨٩ و١٩٩٠، وفرضا تدخلاً عربياً ودولياً ساعد اللبنانيين للوصول إلى مؤتمر الطائف، والتوافق على الميثاق الوطني الجديد، الذي أنهى سنوات طويلة من الحرب المريرة في لبنان.
كشف الانفجار الزلزالي المخيف في مرفأ بيروت، وما خلّفه من دمار هائل لهذا الشريان الحيوي لمنطقة الشرق العربي، ولأحياء واسعة من العاصمة، هزالة السلطة الحاكمة، وحجم الفساد الغارقة فيه، ومدى إصرارها على سياسة الإنكار والمكابرة، والتصرف وكأن أوضاع البلد بألف خير في ظل «العهد القوي»، وكأن عصف الانفجار الرهيب كان «برداً وسلاماً» على اللبنانيين.
جاءت زيارة الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون إلي بيروت لتفضح المستور، وتنزع ورقة التوت عن الطبقة الحاكمة، وتضع اليد الدولية على مواطن الوجع اللبناني، وتعلن البدء بالمعالجات الفورية اللازمة، بمعزل عن السلطة الفاسدة والعاجزة، ومن خلال آليات سيتولاها المجتمع الدولي تحت مظلة الأمم المتحدة.
لم تكن وعود ومواقف الرئيس الفرنسي مجرد كلام في الهواء، على طريقة السياسيين اللبنانيين، بل تحوّلت بسرعة غير مسبوقة إلى خطوات عملية، بدأت بمؤتمر على مستوى القمة للدول الغنية، وبمشاركة عربية فاعلة تقدمتها السعودية ومصر والكويت، لتقديم دعم عاجل للبلد المنكوب، ولمساعدة الشعب اللبناني على تخطي تداعيات الكارثة، والمساهمة في إعادة إعمار الأحياء المدمرة، وتوفير الدعم للمستشفيات المتضررة.
أن يتعهد رئيس مؤتمر الدعم العاجل بإيصال هذه المساعدات إلى الشعب اللبناني مباشرة، وليس عن طريق الحكومة، أو المنظمات الرسمية الأخرى، فهذه إدانة عالمية صريحة لفساد الطبقة الحاكمة، وعدم وجود الحد الأدنى من الثقة بأدائها.
على أن أهمية نجاح المؤتمر الذي دعا إليه ماكرون وتم تنظيمه خلال أيام فقط، لا تقف عند المساعدات المالية الفورية والسريعة وحسب، على أهميتها طبعاً، بل في الخطوات التي ستعقب قرارات المؤتمر، بالنسبة لمتابعة تنفيذ بنود المبادرة الرئاسية الفرنسية، والتي أعادت الاهتمام الدولي والعربي بالوضع اللبناني، بعد مسلسل الكوارث والمحن الاقتصادية والمالية، وتمادي السلطات الحاكمة بفسادها، وفشلها في إدارة الأزمات المتلاحقة، وذلك من خلال جهود دولية وعربية تراقب عن كثب مجريات الأمور في لبنان، ومدى الالتزام بإجراءات المرحلة الانتقالية، والتي سيتم في نهايتها إجراء انتخابات نيابية مُبكرة، في إطار السعي بتجديد بنية السلطة، وطيّ صفحة الطبقة السياسية الفاسدة.
الواقع أن بوادر انهيار بنيان السلطة الحالية المتهاوية بدأت تظهر إلى العلن، وبشكل فاقع من خلال الاستقالات المتلاحقة للوزراء والنواب، والتي من المرجح أن تتحول إلى كرة ثلج كبيرة تُطيح ما تبقى من هيبة وكرامة الحكومة والحكم برمته.
أهمية مسار الاستقالات النيابية الذي افتتحه النائب الشهيد والجريء مروان حماده، وما تبعه من استقالات نيابية، تتجاوز العدد التقليدي والذي يُناهز ثلث أعضاء المجلس النيابي حتى يفقد المجلس الحالي دستوريته، إلى الأبعاد السياسية والمعنوية، داخلياً وخارجياً، لهذه الاستقالات التي ستحدث دوياً كبيراً في دوائر القرار المعنية بالوضع اللبناني.
 وإذا كان رئيس الحكومة قد أعلن إرجاء موعد دفن حكومته الميتة شهرين إضافيين، فإن استقالات الوزراء المتتالية، أفقدت هذه الحكومة ما تبقى من مصداقية وفعالية، وحولتها إلى هيكل عظمي يفتقد إلى أبسط المكونات الطبيعية، ليُحافظ على حيويته.
الوقوف على المفترق المفصلي اليوم، وما قد يحمله من تحولات، لن يكون مساراً مفروشا بالرياحين والورود، بل قد يحصل العكس، ويكون مضرّجاً بالعنف والدماء، على غرار ما حصل في تلك الأيام السوداء في عامي ١٩٨٩ و١٩٩٠، ولكن مثل هذه المواجهات الساخنة ستحتم حسم الأمور بالقوة، وليس بالأساليب الديموقراطية التي تحفظ سلمية الخيارات، التي تؤيدها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين.
فهل يُعيد التاريخ نفسه في مثل هذه الحقبة القصيرة من الزمن، في حال لم يستوعب أصحاب الحل والربط الدروس والعبر من تجارب العناد والمكابرة السابقة؟



أخبار ذات صلة

هؤلاء الرجال يستحقون التثبيت وإعطاءهم حقوقهم
خطوة اولى بمسيرة الألف ميل لإصلاحات بناءة
محاضر الطائف كفى جدلاً
خواجة لـ«اللواء»: نريد شراكة في السلطة الإجرائية