بيروت - لبنان 2019/01/21 م الموافق 1440/05/15 هـ

هل مات الصبي، وأصبحت أمه في مواقع الخطر؟

حجم الخط

وتستمر اللعبة... ويستمر الملعوب به أن يكون لبنان بأسره شعبا ودولة وحكومة ومؤسسات، تلعب بها المراجيح وتلك الأيادي التي تدفع بها في إطار أهزوجة الأطفال المعروفة: يا طالعة يا نازلة. 
قبل أيام قليلة، وبلعبة جديدة شديدة الخبث والتلطي والتخفي... كادت الحكومة أن ترى النور،  وما ان قبض الناس أكذوبة أنهم ستكون لهم حكومة قبل الأعياد المجيدة بعد أن استهلكت تلك الفرملة الأولى التي أطلقها أولئك المخترعون لمجموعة النواب الستة في إطار ذلك الكيان المصطنع على عجل، وبعد أن أدركوا أن هذا التموضع المصطنع، لم يعد لينطلي على أحد إلاّ على مخترعيه، فجرت عملية فرقعة من الداخل ثأرا لأعضائه من كرامة لهم انتهكت من خلال  تمثيلهم بمرشح أُنزل عليهم بالبراشوت، ورغم إلصاقه بهم بتلك الصورة المستعجلة في تصنعها، فقد تمنع المرشح عن مجرد حضور اجتماع لهم يتبنون من خلاله شكلية انتسابه إلى كتلتهم العصماء، وكانت نهاية الأسبوع الماضي موعدا أجمع الكثيرون على أنه سيشهد الإعلان عن تشكيل الوزارة الجديدة العتيدة، واذا بكل هذا الانتفاخ الاصطناعي، يتم تنفيسه، واذا بذريعة التكتل السني السداسي تنطفئ، لتطل على الأجواء السياسية العامة ذريعة أخرى، أرادت أن يكون المرشح المفتعل، منتميا إلى تكتل «لبنان القوي» وإلى مجموعة الوزير باسيل، وتشكلت في الوقت نفسه، ذريعة ثالثة إحتياطية الطابع في حال لم تنجح الذريعة الثانية حيث تبين أن الوزير باسيل حاول أن يتحرش مجددا فيما تم التوافق عليه مع الرئيس نبيه بري من خلال توافق سابق على أن تكون وزارة البيئة من ضمن حصة حركة أمل، فكانت هذه المحاولة من الوزير باسيل، تمثل اختلاقا لمشروع ذريعة أخرى يتم استعمالها عند الحاجة في حال فشل اعتماد الذريعة الثانية، فضلا عن مشاريع فرملة أخرى لبثت قيد الإعداد والحفظ للإفراج عنها عند الحاجة، متعلقة بتوزيع جديد لبعض الحقائب الوزارية وفي طليعتها وزارة الإعلام.
وبذلك... تستمر اللعبة، ويتضح من خلالها أن هناك لاعبا جديدا قد انضم إلى اللاعب الأساسي يدفع باللاعبين المحليين إلى حيثما يشاء وإلى تنفيذ ما يعهد إليهم من قرارات، والغاية هي هي لم تتغير ولم تتبدل: وقف تشكيل الحكومة عند نقطة الصفر، ووقف مسيرة لبنان نحو الإنسحاب من مرحلة الخطر الشديد التي يجتازها، خاصة على الصعيد الاقتصادي والتدهور المعيشي والتململ الشعبي المتعاظم وصولا إلى التحديات الإسرائيلية المستجدة، المنطلقة حديثا من الخنادق الجنوبية، توطئة إلى تحقيق المرامي الإيرانية التي تركب على موجات ودعامات مختلفة المناشئ بعضها أميركي وبعضها روسي، فضلا عن قاعدتها في كل من سوريا والعراق، وخاصة خاصة، على حزبها الاساسي الصنع والأثر المتغلغل في لبنان على كل صعيد. 
وبعد، هل وصلت إلى الأسماع نداءات اللبنانيين الذين شاركوا ويشاركون حتى الآن في تلك المظاهرات التي أطبقت على ساحات وشوارع العاصمة وبعض المدن والقرى اللبنانية؟ هل طاولت تلك النداءات قلوب الناس وضمائرهم وحماسهم إلى أن يقدموا دعما ومؤازرة ما إلى اخوتهم في الوطن الذين باتوا على يقين بأنهم يعيشون في وطن يؤمن لهم الحد الأدنى من احتياجاتهم المعيشية، ووصلا إلى حدود البطالة والتحايل على لقمة العيش دون أن ننسى الأكلاف الطبية بما فيها المستشفيات والمدارس والجامعات التي باتوا عاجزين عن تأمين أقساطها المتفاقمة وتكاليف كتبها ومتطلباتها. 
هل سمعوا ما سمعناه على شاشات التلفزيون وما سبق أن أطلعنا عليه من وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لنكاد أن نعتقد أن البلد فعلا بات على كف عفريت، وأن أحداثا جساما ما تنتظرنا على كل المفارق والمطبات التي ضمت إلى رحابها الواسعة أكثرية المواطنين الذين لم تعد تعنيهم لا وزارة ولا وزير، وأن جلّ ما بات يشغل أذهانهم وقناعاتهم وتحسباتهم قد بات مرتبطا بلقمة العيش ومصير أطفالهم، فضلا عن مصير أولادهم بعد أن دفعوا دم قلوبهم لتخريجهم من الجامعات، فإذا بهذه الجامعات تخرجهم إلى البطالة وإلى التشرد وإلى الإحباط القاتل، وها هم يسعون عبثا لإيجاد سبل للحل واصطناع مستقبل بديل عن طريق الهجرة، ليتبين لهم أن قبولهم في دنيا الآخرين قد بات شديد الصعوبة، وأن مجرد الإستحصال على ڤيزا للسفر إلى أي بلد تسمح لهم الظروف باختياره، قد بات أمرا شديد الصعوبة. 
هل يعلم المسؤولون أن هذه التظاهرات هذه المرة، لم تعد مجرد مظاهرات قلوب ملآنة... بل هي تعبر عن ثورة في النفوس تزداد تفاعلا وتكثفا، ولنشاهد معا تلك الشعارات التي يرددها المتظاهرون وعنوانها: الفقر - الجوع - المستشفى – الطبابة إلى ما هنالك من زوايا حياتية مخيفة بمادياتها ومعنوياتها وأخطارها المحتملة، حتى إذا ما دخلت تلك المشاهد التي بدأت بالتفاقم إلى نظرتنا إلى هذا الوطن الذي بات يداخله صدأ شديد من كل زوايا حياته، تشكلت منها مواجع الناس وآلامهم، بل هم اليوم يسخرون من تلك العبارات التي بلّغت إليهم وهي تدعو إلى لبنان القوي والجمهورية القوية والدولة القوية، فإذا بهم متروكون إلى أمواج عاتية تتحكم بأقدارهم ومستقبلهم، قادمة إليهم من البعيد من طفرة للتطرف الفئوي والإمبراطوري، تطمح أن تستعيد أمجادا سبق لها أن طمست وهي اليوم تسعى إلى إعادتها إلى الوجود، على حساب شعوب أخرى يشاء قدرها العاثر أن تكون مجاورة لتلك البلاد التي تحكمها الرؤوس الحامية والطموحات المتطرفة، ومنها لبنان الذي شاءت الظروف أن يكون المصبّ الأخير الذي تتدفق إليه كل هذه الأخطار، ولعل الرئيس نبيه بري صاحب الأنتينات الحقيقية الصائبة في استكشافها للواقع وللمقبل من الأحداث يصيب في توقعاته بأن تكون المستجدات الأخيرة، بما فيها التحولات الدراماتيكية في سوريا وما حولها، قد تدور دوائرها وأجوائها المقبلة على الأرض اللبنانية، ملتهمة مصالح اللبنانيين واستقرارهم وسلامة أوضاعهم. 
أما وأننا قد غطسنا في تحليل ملتهب للأوضاع المستجدة والتي قد تتطور إلى الأسوأ، فقد نسينا أن نقوم بواجب معايدة الجميع بعيد الميلاد المجيد والسنة الجديدة مكررين القول المأثور: عيد بأية حال عدت يا عيد. 
المحامي محمد أمين الداعوق
daouknet@idm.net.lb 





أخبار ذات صلة

الحكومة نحو الحسم: تأليفاً أو تعويماً؟
قمة الخفة والندم
أين وجدان السياسيين اليوم؟