بيروت - لبنان 2019/01/18 م الموافق 1440/05/12 هـ

هل من يستحق الإغتيال؟

حجم الخط

تشهد المنطقة تحولات بالغة الدقة والخطورة، تستدعي التنبه لأهمية المرحلة الانتقالية، واعادة ترتيب الأولويات وتحديد ما يجب التخلي عنه وما يجب الاحتفاظ به، من الموروثات الوطنية الجامعة والضامنة للتماسك الاجتماعي، والتي تتمثل بأسباب قيام الدولة الوطنية الحديثة، والمتكاملة مع الانتظام العام في المنطقة والعالم، بعيدا عن مكتسبات وغنائم ازمنة النزاع التي تحكمت بسلطاتنا وشعوبنا على مدى عقود طوال، ولا بد من اعادة النظر في معايير القوة والفشل والنجاح التي اعتمدناها في نزاعاتنا الداخلية ومع أعدائنا وخصومنا، واستعادة منظومة القيم الضامنة لاستقرارنا مع ضرورة اعادة تقييم رأسمالنا البشري والطبيعي وطاقاتنا الإنتاجية على أساس التنافسية بين دولتنا الاقتصادية الاجتماعية ودول المنطقة. 
ان كل محاولات الخروج من واقعنا المرير نحو لبنان الأمن والازدهار كانت مهمة بالغة الخطورة، تمثلت بالكثير من الاغتيالات رؤساء وقادة روحيين وسياسيين وزعماء ومفكرين وإعلاميين وحزبين ونواب ووزراء ومناضلين، ورغم تنوعهم السياسي والطائفي والأيديولوجي والمناطقي والتفاوت الزمني بين حقبة وأخرى، الا ان أسباب الاغتيال كانت واحدة وهي إيمانهم ببناء مجتمع العدالة والحرية والسيادة، ورفض الاستتباع والاستعباد والاحتلال والظلم والاستئثار والاحتكار، وأن كل شهداء لبنان كانوا يريدون استقرار وتقدم وازدهار لبنان. 
لا بدّ من إنصاف كلّ تلك القامات العظيمة التي استشهدت من اجل لبنان مع الاعتذار عن ذكر الاسماء، يحتم علينا احترام شجاعة مواقفهم ومسيرتهم وتضحياتهم، لأنهم لم يقدموا سلامتهم أو حياتهم أو ثروتهم أو موقعهم على حساب استقرار البلاد والعباد، لان الاغتيال يقع حين تتغلب النّحنُ على الأنا ويذوب الأفراد بالوطن والناس بعيدا عن الأنانيات، ويجسد الفرد إرادة الجماعة ويصبح هو نحن ونحن هو، ويمسي جداراً حصيناً في وجه التخلف والاستبداد والاستغلال، ويستنهض الإرادات النبيلة ويهدد الغايات الرخيصة، حينها  يعتقد الطغاة ان الاغتيال يدمر الإرادات ويحول الإحلام إلى اوهام، ومع كل اغتيال كانت الشعوب تكتشف عجز المستبد، فيذهب الجناة إلى مقبرة النسيان، ويعيش الشهداء في وجدان الأجيال،  ولبنان الآن لا يستطيع مواجهة التحديات القادمة بالمدمنين على الانتهاكات والارتكابات والمحرمات وبيع الأوطان والناس في أسواق الاستعباد السياسي بكل وقاحة وادعاء.
ان تحديات المرحلة الانتقالية بين النزاع والانتظام تحتاج إلى قيادات لا تخاف الاغتيال، لان مجتمعاتنا تعيش في اقتصادات الحروب والنزاع ومغانمه المادية والسياسية منذ سنوات طوال، وتكونت على اساسها مجتمعات ووظائف وامتيازات، وكلها الآن أصبحت فاقدة لأسباب الحياة،وأن بديهيات المرحلة الانتقالية هي طمأنة هذه المجتمعات المهددة بالتحولات القادمة، قبل أن تلجأ إلى الاغتيال وغير الاغتيال، ولا بد أن تبادر النخبة الوطنية الجديدة بإحداث عملية استنفار علمية ومدنية للتفكير بكل أسباب وضرورات الانتظام الاقتصادي والاجتماعي في هذه الظروف الاستثنائية الدقيقة، وبعيدا عن مسرحيات الاعتراض على أهل السلطة وقصة إبريق الزيت الحكومي ومتاهة التوزير وحسن التمثيل، لأن الانتخابات النيابية أصلاً قد جرت في ظروف فاقدة لأسباب الحياة، ولبنان الآن بحاجة إلى تلك النخبة القادرة على صناعة الاستقرار والازدهار بالإنجازات المتنوعة والمتراكمة والواعدة، وليس بالشتائم والخطابات، نخبة تمتلك  قناعات الشهداء الكبار بأن النهوض لا يكون الا بتكامل الإرادات الوطنية بكل مجال واختصاص، أولئك الشهداء الذين كان اغتيالهم بمثابة الحكم بالإعدام على الحياة السياسية الوطنية الطبيعية وتدمير مستقبل الأجيال، ويبقى السؤال: هل بقي في لبنان من يستحق الاغتيال أو من لا يخاف  الاغتيال؟

ahmadghoz@hotmail.com



أخبار ذات صلة

أين وجدان السياسيين اليوم؟
14 آذار: صحّ النوم
مخاطر استيلاد الأزمات وإضاعة الفرص