بيروت - لبنان 2020/12/03 م الموافق 1442/04/17 هـ

يبقى حزب الله في خط التصويب الأميركي

حجم الخط

لم يسبق أن أبدت شعوب وحكومات دول الشرق الأوسط مستوى الاهتمام الذي تظهره هذه الأيام وهي تتابع اخبار الحملات الانتخابية الأميركية والمناظرات للمرشحين دونالد ترامب وجو بايدن، حيث يتفاعل الجميع معها وكأنهم يسيرون على حبل مشدود. وينطلق هذا الاهتمام الزائد من رغبة معظم الحكومات والأكثرية الساحقة من الرأي العام العربي في تمديد ولاية ترامب لأربع سنوات جديدة وذلك انطلاقاً من تأييدهم لسياساته الهادفة الى اضعاف النظام الإيراني أو التهيئة لاسقاطه من خلال تشديد نظام العقوبات، وحشد القوى العسكرية اللازمة لردعه عن اقفال مضيق هرمز أو الاعتداء على دول مجلس التعاون الخليجي.

بالرغم انه لم يتطرق الرئيس ترامب ومنافسه بايدن من قريب أو بعيد في مناظرتهما الأخيرة إلى قضايا الشرق الأوسط وإلى سبل معالجتها، أو إلى التحديات الإيرانية المستمرة في اليمن والعراق وسوريا ولبنان، أو إلى الصراع العربي - الإسرائيلي وإنشاء دولة فلسطينية ايذاناً بإنهاء هذه الأزمة المستمرة منذ عام 1948، فان غياب الشرق الأوسط عن اهتمام المرشحين لا يعني مطلقاً بأن المنطقة قد فقدت اهميتها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، بل يأتي هذا الأمر نتيجة طبيعية لتقدم التهديدات الصينية والروسية في الجيوبوليتيك الدولي، حيث باتت تشكّل التحدي الأساسي للأمن الاستراتيجي الأميركي.

تركزت أجوبة ترامب وبايدن حول السياسة الخارجية التي سيعتمدها كل منهما في حال فوزه بالانتخابات التي ستجري في الثالث من تشرين الثاني، وشرح كل منهما المقاربات التي سيعتمدها في مواجهة التحديات الصينية والروسية. لكن يجب ان لا يعني هذا التبدل في الولايات المتحدة الأميركية تراجع واشنطن عن الحفاظ على الموارد العسكرية والجهوزية اللازمة لمواجهة التحديات والمخاطر، التي مصدرها إيران وادواتها في المنطقة.

ظهر بوضوح في المناظرة بأن نقطة الخلاف الجوهرية بين ترامب وبايدن في مقاربتهما للسياسة الخارجية الشاملة تكمن في التكتيك الذي سيعتمده كل منهما لتحقيق الأهداف ولحماية المصالح الأميركية الحيوية، وسيترك الخلاف على هذا المستوى آثاره على الأولويات والموارد ودرجة الالحاح وعامل الوقت لمعالجة مختلف الأزمات الإقليمية أو الدولية.

من المؤكد انه في حال فوز بايدن في الرئاسة ستكون سياسته مختلفة ومتميزة عن تلك التي اعتمدها ترامب خلال رئاسته، والتي قالت «بأميركا أولاً»، كما شددت على ضرورة مشاركة كل الأصدقاء والحلفاء بقسطهم العادل من الموارد والنفقات اللازمة لتنفيذ الالتزامات الأمنية والعسكرية الأميركية. سيعمل فريق بايدن على إعادة بناء الثقة المفقودة الآن مع الأصدقاء والحلفاء وخصوصاً في أوروبا وكندا والمكسيك. وستأخذ عملية إعادة بناء وتفعيل حلف شمالي الأطلسي مكانها في سلم أولويات وزارتي الخارجية والدفاع. ستكون الخطوة الأبرز على طريق إعادة بناء هذه العلاقات، صدور قرار من بايدن بفتح حوار مباشر وبناء من أجل عودة واشنطن للاتفاقية النووية مع إيران، والتي استمر الحلفاء الأوروبيون في التقيّد بها، وستشمل اهتمامات السياسة الخارجية في ظل إدارة بايدن موضوع حقوق الإنسان، وموضوع المناخ، وهما من القضايا التي تعمّدت إدارة ترامب اسقاطهما من حساباتها. من المتوقع أيضاً ان تعتمد إدارة بايدن العمل الدبلوماسي الحثيث، بالتعاون مع الأمم المتحدة والحلفاء الاقليميين من أجل وقف الحروب وحل الأزمات المزمنة في اليمن والعراق وسوريا وليبيا، وبما يفسح في المجال لتخفيف التواجد العسكري الأميركي في المنطقة والتعويض عن الفراغ الذي يمكن ان يخلفه هذا الانسحاب بتقوية قدرات الحلفاء: كالامارات وإسرائيل ومدهم بالاسلحة المتطورة اللازمة لمواجهة التحديات الأمنية الإقليمية.

في المقابل في حال فوز ترامب بولاية رئاسية ثانية فان مقاربته لأزمات المنطقة لن تختلف عن السياسات التي اعتمدها في مواجهة إيران أو في التعامل مع مختلف الأزمات القائمة. من المعلوم ان ترامب قد قرّر الانسحاب من الاتفاقية النووية مع إيران في أيّار 2018 وذلك بهدف الضغط على طهران واجبارها على القبول بالتفاوض على اتفاقية تحرمها إلى الأبد وليس لفترة محددة من استكمال تطوير قدراتها النووية باتجاه صنع سلاح نووي، وألحق انسحابه باعتماد سياسة الضغط القصوى على إيران من خلال تشديد نظام العقوبات والذي بات أشبه بفرض حصار اقتصادي ومالي شبه كامل على إيران وبعض حلفائها الاقليميين، وخصوصاً على حزب الله والنظام السوري والحوثيين، وادت هذه العقوبات إلى تراجع محسوس في الاقتصاد الإيراني، كما تدهورت قيمة النقد الإيراني بشكل دراماتيكي. لم تتجاوب طهران مع مطالب ترامب بضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات، حيث اعتبرت ذلك بمثابة استسلام لشروط ترمب، واللافت كان لجوؤها إلى الهروب إلى الامام رداً على العقوبات، من خلال استعادة بعض النشاطات النووية التي كانت متوقفة بموجب الاتفاقية.

لكن بالرغم من هذا التصعيد الذي شهدناه أثناء الحملة الانتخابية من خلال فرض المزيد من العقوبات المؤلمة فقد استمرت التوقعات ببدء مرحلة من الدبلوماسية المكوكية بين واشنطن وطهران: فالرئيس ترامب يريد فتح صفحة جديدة مع إيران، في الوقت الذي يعد فيه بايدن بأنه في حال فوزه بالعودة إلى الاتفاق النووي، مع إمكانية الاستفادة من العقوبات للحصول على مزيد من التنازلات في موضوع تخصيب اليورانيوم.

اعتبر الرئيس حسن روحاني ان مقتل الجنرال قاسم سليماني وما تبعه من تشديد للعقوبات يُشكّل حرباً اقتصادية ضد إيران، لكن يبدو ان هذه الضغوط قد حسنت العلاقات داخل المنظومة الإيرانية، ووضعت الحرس الثوري في مقعد القيادة، وهذا ما سمح لإيران بقصف المنشآت البترولية السعودية واصابتها بأضرار بالغة، وباسقاط طائرة أميركية دون طيّار فوق مضيق هرمز، وبمهاجمة مواقع القوات الأميركية في العراق بموجات من الصواريخ الباليستية، لا بدّ من التوقف أيضاً عند التقارب الذي حققته إيران مع روسيا والصين في محاولة لتغيير موازين القوى لصالحها في غربي آسيا والشرق الأوسط، وذلك بهدف خلق منطقة متحررة من الدولار ونفوذه، سيؤدي كل ذلك دون شك الى الاضرار بالمصالح الأميركية في المنطقة، وسيفسح في المجال لاستفادة إيران امنياً واقتصادياً من تنامي نفوذ بكين وموسكو.

سيؤدي هذا القبول في الواقع الجيوستراتيجي المحيط بإيران إلى مزيد من التعقيدات السياسية والأمنية في المنطقة، بحيث انه لن يجعل من التعامل الأميركي مع إيران بعد الانتخابات الأميركية نزهة دبلوماسية مضمونة النتائج، كما سيؤدي حتماً إلى مزيد من التعقيدات السياسية والأمنية في عدد من دول المنطقة كاليمن والعراق وسوريا ولبنان.

ستكون ارتدادات وتساقطات التبدل الجديد قاسية وقد تتحوّل إلى كارثية على أوضاع لبنان الداخلية في ظل ضعف الدولة اللبنانية وحالة الوهن التي تواجهها في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية والمالية الراهنة، وفي ظل فشل الحكومة اللبنانية في اعتماد الإصلاحات المطلوبة لإخراج لبنان من عزلته الدولية والعربية، صحيح ان لبنان قد هدف من خلال دخول مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل تحت الوصاية الأميركية إلى رفع سيف العقوبات القاسية عن رقاب قيادات حزب الله وحلفائه في لبنان، بعد ان وصلت هذه العقوبات إلى قيادات الصف الأوّل. لكن يبدو بأن هذه الليونة والإيجابية التي ابداها حزب الله قد تتغير في المستقبل، أي في الأشهر التي ستلي نهاية الانتخابات الأميركية ومعرفة الفائز فيها، وبعد استقرار توجهاته المستقبلية نحو إيران وحلفائها.

في رأينا تؤيد الولايات المتحدة جهود الرئيس سعد الحريري لتشكيل حكومة مستقلين في محاولة منها لإضعاف نفوذ حزب الله وهيمنته الكاملة على الوضع اللبناني في ظل عهد ميشال عون، وفي ظل حكومات اللون الواحد كحكومة حسان دياب أو حكومات سياسية يتمثل فيها الحزب وحلفاؤه بأكثرية طاغية. لكن هذا لن يعني ان سلسلة العقوبات ضد الحزب وحلفائه ستتوقف، مع ارتقاب تشديد الضغوط على الحزب في الفترة التي تلي الانتخابات الأميركية. من المرجح ان يبقى حزب الله في خط التصويب الأميركي على إيران بحيث يجري تنسيق الجهود الأميركية والأوروبية مع حلفائهم داخل لبنان من أجل اضعاف الحزب داخلياً، وكذراع استراتيجية لإيران على مستوى المنطقة.

ويبقى السؤال هل ستعود الأجواء إلى ما كانت عليه قبل صدور القرار 1559 لإخراج السوريين من لبنان؟ وهل يمكن توقع صدور قرار دولي جديد لنزع سلاح الحزب بحجة منع انزلاق لبنان نحو حرب أهلية جديدة؟ 

لا يمكن الإجابة على ذلك قبل ان تتوضح نتائج الانتخابات الأميركية والأولويات التي سيعتمدها الفائز فيها في تعامله مع إيران، بالإضافة إلى معرفة مدى جدية الثنائي الشيعي في حل الخلاف الحدودي مع إسرائيل.



أخبار ذات صلة

الجديد: النائب العام في جبل لبنان غادة عون تستمع الى [...]
علوش ردًا على جنبلاط: عندما ينتقد ملك المحاصصة المحاصصة
وزير خارجية إيران: العقوبات الاقتصادية الأميركية جريمة ضد الإنسانية ويجب [...]