بيروت - لبنان 2019/03/19 م الموافق 1440/07/13 هـ

حكومة متعثِّرة واقتصاد متردٍ وخلافات على الإستئثار بالسلطة

اللبنانيون يودِّعون عام الخيبات ويستقبلون عام الإستحقاقات

حجم الخط

يودع اللبنانيون منتصف ليل اليوم العام 2018 الذي يطوي آخر أوراقه، بكل ما حمله من خيبات واخفاقات، وآمال، لا سيما على الصعيد السياسي، حيث لم يتمكن أهل السياسة، وهم أهل الحل والربط في البلد، من الاتفاق على تشكيل حكومة يفترض ان تكون حكومة العهد الأولى، على اعتبار انها أوّل حكومة تتشكل بعد انتخابات نيابية، ارادها العهد ان تكون على أساس قانون جديد يعتمد النظام النسبي، لكن نتائجها حملت الكثير من الالتباسات والمشاكل، بسبب مقاطعة نصف اللبنانيين لهذه الانتخابات، كانت أبرزها تجلياتها العجز عن تأليف الحكومة، مع بروز الكثير من الخلافات أعادت اتفاق الطائف، الذي بات دستوراً إلى واجهة الصراع على الصلاحيات الدستورية وعلى كيفية تشكيل الحكومة، مع دخول أطراف سياسية ونيابية بفعل ما امتلكوه من حيثية انتخابية - شعبية، على الخط، متصورين لانفسهم دوراً في التأليف، بما يخالف نصوص الدستور، وهو ما نبّه اليه أكثر من مرّة الرئيس المكلف سعد الحريري، ووافقه على رؤيته مؤخراً رئيس الجمهورية ميشال عون، في آخر تصريح له من منبر بكركي، صبيحة عيد الميلاد.
اما الوضع الاقتصادي، فحدث بلا حرج، إذ انه بات مهدداً بالمزيد من التردي والسوء، ولم تنفع مقررات مؤتمر «سيدر» الذي انعقد في باريس قبل 9 أشهر في أن تلجم هذا التدهور، حيث ان اصلاحاته وكذلك أمواله وهباته، التي قدرت في حينه بأكثر من 11 مليار دولار، تحتاج إلى حكومة لم تبصر النور حتى الساعة بالرغم من مرور أكثر من سبعة أشهر على تكليف الرئيس الحريري بتشكيلها.
والخطير ان تتحوّل الأزمة الاقتصادية في أعلى تجلياتها وارتداداتها إلى أزمة مالية، بحسب ما حذر أمس، وزير المال علي حسن خليل، الذي أمل أيضاً ألا تتحوّل إلى أزمة نقدية، بكل ما تعنيه هذه العبارة من انعكاسات على الليرة وعلى القطاع المصرفي على وجه التحديد، الأمر الذي يستدعي بحسب وزير المال، ان لا تقف عند كل جدال وسجال، وتحميل المسؤوليات التي يرميها كل طرف على الآخر، أو بمعنى آخر، ان نقف كل الخلافات على محاولات الاستئثار بالسلطة، والتفاهم على تشكيل الحكومة، لكي تتمكن البلاد من الانطلاق نحو العمل والانتاج، وانشالها من الهاوية.
ومع ان المؤشرات لا تحمل الكثير من الآمال، فإن اللبنانيين يأملون ان يكون العام الجديد 2019، أفضل بكثير، لا سيما وانهم موعودون بكثير من الاستحقاقات والتحديات، في مقدمها الانتهاء من موضوع الحكومة، ووقف حالة التردي الاقتصادي، حيث بلغت البطالة نسبة مرتفعة في صفوف الشباب نتيجة افتقارهم إلى فرص العمل ما يدفعهم إلى الهجرة، بالتزامن مع العمل فعلياً في مكافحة الفساد وليس بالاقوال فقط، حيث بلغت هذه الآفة حداً غير مسبوق في جميع القطاعات والإدارات الرسمية والخاصة، وكأن الفساد بات ثقافة مجتمعية، يجب وضع حدّ لها عبر القضاء الذي يجب ان يكون سلطة مستقلة، لا تخضع لنفوذ السياسيين واهل الحل والربط.
ما يأمله اللبنانيون كثير، في السياسة والاقتصاد وسبل العيش الكريم، لكن الملفات بدورها كثيرة، وهي نتيجة تراكمات، وقديماً قيل: «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، وهذه هي الحال، عندما يستقبل اللبنانيون العام الجديد اليوم.
الحريري يخرج عن صمته
ولعل أولى بشائر السنة بغد أفضل، كانت بخروج الرئيس الحريري عن الصمت الذي اعتصم به، منذ انهيار المبادرة الرئاسية لحل أزمة تمثيل النواب من سنة 8 آذار، لعل يسمع الآخرون ما يفترض به ان يعرفوه من سبب التزامه بالصمت احتجاجاً على ما وصلت إليه عملية تشكيل الحكومة، حيث خرج الرئيس المكلف للمرة الأولى، من «بيت الوسط» وجال في وسط بيروت للاطلاع على التحضيرات الجارية لاحتفالات رأس السنة التي ستقام مساء اليوم في ساحة النجمة، ومن هناك، اعرب عن اسفه لتأخير تشكيل الحكومة، بهذا الشكل، لكنه أبدى ثقته بأن كل الأفرقاء السياسيين يريدون حلاً، مشيراً إلى ان رئيس الجمهورية صبر كثيراً، وهو صبر كثيراً مثله وكذلك الشعب اللبناني، مؤكداً على انه «لا بد من ان تشكّل حكومة مع بداية العام الجديد»، لكنه، تمنى على اللبنانيين، حتى ذلك الحين، ان يفرحوا لكي نقلب صفحة جديدة، ونطوي صفحة، لم تكن على حجم آمال اللبنانيين، أملاً ان يكون الاحتفال الذي سيجري بقدر طموحاتهم وأهل بيروت بشكل خاص.
وكانت الجهود تركزت خلال الايام القليلة الماضية على معالجة اكثرمن عقدة ومشكلة ترتبط بتشكيل الحكومة، تولى متابعتها المدير العام للامن العام اللواء عباس ابراهيم مع رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، وسط معلومات عن لقاء مرتقب بين الرئيس المكلف سعد الحريري واللواء ابراهيم، للبحث في بعض الافكار الجديدة التي تتعلق بالملف الحكومي ككل، وليس فقط بموضوع تمثيل «اللقاء التشاوري» للنواب السنة المستقلين او تبادل الحقائب بين بعض القوى السياسية، فيما عاد تسريب طرح حكومة من 32 وزيرا ليلقى رفضا فوريا من اوساط الرئيس الحريري.
ونفت مصادر رسمية ما تردد عن سفر اللواء ابراهيم، واكدت انه كان على تواصل امس مع القصر الجمهوري، لمتابعة الافكار والمقترحات التي تحرّك عجلة تشكيل الحكومة.
هدنة بين الحزب والتيار
واوضحت المصادر الرسمية المتابعة ان اللواء ابراهيم يعمل على تقريب وجهات النظر بين المختلفين عبر طرح بعض الافكار، بعدما نجح في تبريد الاجواء المحمومة بين جمهوري «حزب الله والتيار الحر»، من خلال معلومات ترددت عن سريان هدنة اعلامية بين الطرفين، فيما تردد ان من بين الاقتراحات المطروحة تسمية شخصية مقربة من اعضاء «اللقاء التشاوري» ومقبولة من الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري، لكن البحث يجري حول تموضع هذا الوزير سياسيا وخلال جلسات مجلس الوزراء وكيف سيصوّت في حال حصل خلاف على قرار او اجراء ما..
وفي هذا الصدد نفت مصادر اللقاء التشاوري ما تردد عن طرح اسم مسؤول العلاقات العامة في مجلس النواب علي حمد، وقالت: ان «اللقاء» لم يقترح اسمه وان «اللقاء» لم يطرح سوى الاسماء الثلاثة التي جرى التداول بها رسميا (عثمان المجذوب وحسن مراد والشيخ طه ناجي). وان شيئا لم يُطرح خلال اليومين الماضيين على «اللقاء» من افكار جديدة، لكن الاهم من الاسم هو اين سيكون الوزير المقترح، فإذا لم يكن من حصة «اللقاء التشاوري» ويلتزم قراراته فلا معنى للتسوية التي يجري الكلام عنها. 
 وبالنسبة لتبادل الحقائب، وفي حين تردد ان هناك امكانية لتبادل بعض الحقائب بين بعض الاطراف، لكن لم تعرف ما هي هذه الحقائب، ذكرت مصادر نيابية في كتلة التنمية والتحرير ان شيئا جديدا لم يطرأ منذ اللقاء الذي جمع الرئيسين نبيه بري والحريري، وتبلغ الاخير من رئيس المجلس ان هذا الموضوع بالنسبة له غير قابل للنقاش، وقالت: هذا الموضوع اصبح وراءنا وتشكيل الحكومة لا يحتاج الى مشكلة جديدة بتبديل الحقائب حتى لا نفتح «بازارا» امام القوى السياسية، ولنعالج المشكلة المتبقية حول اختيار اسم وزير يمثل «اللقاء التشاوري» ولا لزوم لمشاكل جديدة, لكن الرئيس برّي، ومن باب تسهيل تشكيل الحكومة عاد وأبلغ المعنيين، ولا سيما الرئيس الحريري انه لا يمانع من حيث المبدأ التخلي عن حقيبة البيئة، شرط ألا يحمل حقيبة الإعلام، وهو ينتظر ما قد يعرض عليه في هذا الصدد.
وجرى تسريب معلومات عن اقتراح بعرض حقيبة الاعلام على حزب «الطاشناق» يتولاها وزير السياحة الحالي افاديس كيدانيان، مقابل منح حقيبة السياحة للرئيس بري، لكن لم يجرِ تأكيد من اي طرف لهذه التسريبات، بانتظار ما ستسفر عنه مساعي اللواء ابراهيم. 
لا جديد
إلى ذلك، اوضحت مصادر سياسية مطلعة لـ «اللواء» ان اي شيءجديد لم بسجل على صعيد ملف تأليف الحكومة وكله مؤجل على ما يبدو الى ما بعد رأس السنه. وقالت المصادر نفسها ان اللواء ابراهيم سيواصل تحركه في مبادرة منه لاخراج الازمة الراهنة من جمودها، وأن أي جديد لا يمكن ان يتبلور على خط المساعي، قبل اللقاء المنتظر ان يتم مع نواب «اللقاء التشاوري» لعل هذا اللقاء يمكن ان يحدث خرقاً، يسعى إبراهيم منه لإيجاد حلحلة.
واكدت ان التواصل مع الوزير جبران باسيل يتم على قاعدة ايجاد مخرج لموضوع ممثل «اللقاء التشاوري».
وقال عضو تكتل لبنان القوي النائب ادغار طرابلسي في تصريح لـ«اللواء» تعليقا على موضوع العلاقة مع حزب الله: «سيفشل المراهنون على الخلاف بين التيار الوطني الحر وحزب الله لما لقيادة الفريقين من حرص على تدعيم الوحدة الوطنية وصون الاستقرار الداخلي، متوقعاً ان تحمل الايام القادمة انفراجاً حتمياً تفرضه احوال البلاد الاقتصادية الضاغطة، لكن العبرة تكون في كيفية تأمين ولادة حكومية في وسط متغيرات اقليمية تترك تأثيرها في عدد من دول المنطقة بما فيها لبنان».
حكومة المصغرة
وفي تقدير مصادر سياسية مطلعة، ان المساعي والمبادرات التي سترافقها، ما تزال تنطلق من حكومة الوحدة الوطنية الثلاثية، بدليل طرح حكومة من 32 وزيراً، والتي رفضها الرئيس الحريري، بحسب ما أوضح مصدر مقرّب منه، وذلك على الرغم من الدعوات المتكررة من البطريرك الماروني بشارة الراعي، ومعه رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، وحتى أوساط من داخل «التيار الوطني الحر» مثل النائب العميد شامل روكز، لتشكيل حكومة مصغرة من اختصاصيين حياديين، وهي دعوة تكررت أمس، من قبل الراعي خلال قدّاس الأحد في بكركي، التي تضمنت انتقاداً قاسياً لسياسة الهدم لدى المسؤولين، حيث اعتبر ان تأليف حكومة وحدة وطنية في هذا الجو المأزوم بين مكوناتها، لا بدّ وان يؤدي إلى تعطيل رسمي للحكومة ولمؤسسات الدولة، ويشد خناق الأزمة الاقتصادية والمعيشية على اعناق المواطنين.
ولفت البطريرك الراعي، إلى ان حكومة مصغرة من أشخاص ذوي اختصاص ومفهوم سليم للسياسة وحياديين، يجب ان تعمل أولاً على اجراء الإصلاحات في الهيكليات والقطاعات وفق الآلية التي وضعها مؤتمر «سيدر» ويوظفون الأحد عشر ملياراً في مشاريع اقتصادية منتجة، في حين يعمل رئيس الجمهورية على بناء الوحدة الوطنية الحقيقية بين مختلف الكتل النيابية حول طاولة حوار.
واللافت ان الدعوات إلى التعجيل بولادة الحكومة، واخرها من رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بدعوة الرئيسين عون والحريري إلى إصدار مراسيم تأليف الحكومة، حيث يمكن لأي معترض على إسقاط الحكومة تحت قبة البرلمان، تزامنت أيضاً، مع دعوة مثيرة للاهتمام صدرت عن حزب السبعة ولكن من خلال الدعوة إلى إضراب عام يوم الجمعة المقبل، للضغط على أهل الحكم من أجل تشكيل حكومة اختصاصيين من ضمن «مبادرة وطنية غير مسيسة» بحسب ما جاء في نداء الحزب المذكور في أوّل تحرك من نوعه، خاصة وانه جاء مدعوماً من «تجمع رجال الأعمال اللبنانيين» الذي تأسس في العام 1987، والذي يجمع عدداً من رجال الأعمال ولكن من دون ان تكون له علاقة بالهيئات الاقتصادية الرسمية التي يرأسها رئيس غرفة بيروت محمّد شقير.
شكوى ضد إسرائيل
على صعيد آخر، وعطفاً على بيان وزير الخارجية والمغتربين الذي ادان الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت سوريا من الأجواء اللبنانية مؤخراً، والتي عرضت سلامة الطيران المدني للخطر، اعطت وزارة الخارجية أمس، تعليماتها إلى مندوبة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة للتقدم بشكوى أمام مجلس الأمن، بالخروقات الإسرائيلية الخطيرة، التي تهدد الاستقرار في المنطقة، وتشكل خرقا سافرا للقرار 1701، وكذلك أعطى وزير الخارجية التعليمات إلى قنصلية لبنان العامة في مونتريال، لإيداع المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO شكوى، قد تم إعدادها بالتعاون مع وزارة العدل، وذلك ضد ممارسات إسرائيل التي شكلت خطرا على حركة الطائرات المدنية، وكادت تتسبب بكارثة بشرية كبيرة.
وأكدت الوزارة أنها تقوم بكل ما يلزم لردع اسرائيل عن خروقاتها الفاضحة وتعريضها حياة اللبنانيين، الأمر الذي لا يجب أن يخيف المواطنين والسياح والزوار، من أخطار أمنية على حياتهم لدى توجههم من وإلى لبنان.


أخبار ذات صلة

عتاب تليفوني بين باسيل وأبو فاعور
جريدة اللواء 19-3-2019
19-3-2019